العفو العام: مصالحة مع الجريمة لا مع الوطن

آب 15, 2026 محمد دعيبس 13 قراءة 1 دقائق قراءة

أقرّ مجلس النواب اللبناني قانون العفو العام، في جلسة مرّرته وسط انسحاب نواب من بعض الكتل واعتراضات لم تجد آذانًا صاغية، ليكتمل بذلك أخطر مشهد تشريعي يعيد إنتاج ثقافة الإفلات من العقاب في بلد لم يشفَ بعد من جراح انهياره. وما جرى ليس مبادرة إنسانية ولا خطوة إصلاحية كما يحاول مروّجوه تصويرها احتفالًا بـ”انتصار العدالة” على حد تعبيرهم، بل هو صفقة سياسية بامتياز مُررت تحت غطاء معالجة أوضاع الموقوفين، بينما حملت في طياتها تبييضًا لملفات لا يجوز السكوت عنها.

صحيح أن القانون كما أُقر لم يأتِ عفوًا شاملًا بالمعنى التقليدي، بل جاء شبكة من الاستثناءات والتخفيضات وشروط إخلاء السبيل التي خُفّضت من أربع عشرة سنة إلى اثنتي عشرة، لكن هذا التبرير القانوني لا يُخفي حقيقة أن الباب فُتح، ومتى فُتح الباب في لبنان لا يُغلق إلا حين تُستنفد كل مكاسبه السياسية. والخطر الحقيقي لا يكمن في التفاصيل الإجرائية بقدر ما يكمن في المبدأ ذاته الذي كُرّس أمس بقوة القانون: أن الفاسد والقاتل والمرتشي يمكنهم دائمًا انتظار “الفرصة السياسية المناسبة” لتُمحى جرائمهم بجرة قلم نيابية، بينما يبقى المواطن العادي وحده أمام قسوة القانون حين يُطبَّق عليه دون سواه.

ولا يمكن تجاهل أن مثل هذه القوانين، حين تُفتح ملفاتها للنقاش دون خطوط حمراء واضحة، تصبح عرضة لأن تطال بشكل مباشر أو غير مباشر عملاء عملوا لصالح العدو وباعوا أمن وطنهم وأرواح أبناء جلدتهم مقابل حفنة من المال أو الحماية. وهؤلاء ليسوا مجرمين عاديين يمكن التسامح معهم، بل هم من مسّوا بجوهر السيادة الوطنية ذاتها، وأي تساهل معهم هو رسالة خطيرة لكل من يفكر غدًا بالمساومة على وطنه أن الثمن لن يكون باهظًا كما يُفترض. وكذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُفتح المجال أمام مرتكبي الجرائم الإرهابية ليستفيدوا من ثغرات هذا القانون، فهؤلاء زرعوا الرعب في قلوب اللبنانيين وفجّروا الأحياء واغتالوا الأبرياء باسم أيديولوجيات متطرفة، وكل تساهل تشريعي معهم هو جريمة إضافية بحق ذاكرة الضحايا وبحق الأمن الوطني الذي لا يزال هشًا.

أما تجار المخدرات فحديث آخر لا يقل خطورة، فهم من يفتك بجيل كامل من الشباب اللبناني، يدمرون العقول ويهدمون الأسر ويحوّلون الأمل إلى إدمان وموت بطيء مقابل أرباح طائلة، وأي ثغرة تسمح بشمولهم أو بمن هم على صلة بهم تعني ببساطة إعادة فتح أبواب الشارع أمامهم ليكرروا الجريمة ذاتها بلا رادع، وكذلك لا يجوز إطلاقًا التساهل مع مرتكبي جرائم الاغتصاب، فهذه الجريمة لا تُقاس بالسجن وحده بل بأثر لا يُمحى يبقى محفورًا في حياة الضحية إلى الأبد، وكل قانون لا يُميّز بوضوح ويستثنيهم صراحة هو شريك في الجريمة الثانية التي تُرتكب بحق الضحية حين تُهدر عدالتها باسم “المصالحة”. والأخطر من كل ذلك أن هذا القانون أُقرّ في لحظة لبنانية بالغة الحساسية، حين تكافح المؤسسة القضائية أصلًا لاستعادة هيبتها المهزوزة أمام الرأي العام، فجاء العفو العام ليوجّه ضربة قاضية لما تبقى من ثقة الناس بإمكانية المحاسبة، تمامًا كما فعل قانون عام 1991 حين أغلق ملفات جرائم الحرب من دون أي مساءلة شاملة أو مصالحة حقيقية أو عدالة للضحايا وذويهم، وها هو التاريخ يكرر نفسه بعد خمسة وثلاثين عامًا بالمنطق ذاته.

ولا يمكن تجاهل أن كثيرًا ممن سيستفيدون من هذا القانون مرتبطون بملفات مالية أدت إلى انهيار غير مسبوق طال معيشة اللبنانيين جميعًا، فكيف يُعقل أن يُكافأ من ساهم في إفقار شعب بأكمله بعفو يعيده إلى الحياة العامة وكأن شيئًا لم يكن؟ وإذا كان الدافع المعلن لهذا القانون هو تخفيف الاكتظاظ في السجون ومعالجة أوضاع موقوفين قضوا سنوات دون محاكمة عادلة، فإن هذا الهدف المشروع في ظاهره كان يمكن تحقيقه بإصلاح جذري لمنظومة القضاء وتسريع المحاكمات وضمان حق كل موقوف بمحاكمة عادلة في مهلة معقولة، لا بقانون فضفاض يُساوي عمليًا بين البريء المهمل قضائيًا والمجرم المدان بجريمة لا تسقط بالتقادم الأخلاقي. فالعدالة الانتقائية التي تُميّز بين “عفو يليق بأصحاب النفوذ” و”سجن يُترك لغير المحميين” هي بالضبط ما أوصل لبنان إلى ما هو فيه اليوم من انهيار مؤسساتي وأخلاقي، ومحاربة هذا المنطق كانت تبدأ برفض إقرار أي قانون لا يستثني صراحة وبلا لبس العملاء والإرهابيين وتجار المخدرات ومرتكبي جرائم الاغتصاب من أي شكل من أشكال العفو أو تخفيف العقوبة.

إن لبنان لم يكن بحاجة إلى مزيد من “الحلول التوافقية” التي مُررت بأغلبية غابت عنها كتل أساسية، بل كان بحاجة إلى جرأة نادرة تقول بصوت عالٍ: لا للعفو الذي يُعيد إنتاج الفساد والخيانة والإرهاب والإفلات من العقاب تحت شعارات “طالما انتظرها الأهالي”، ونعم لدولة القانون التي وحدها كفيلة بإعادة بناء الثقة المفقودة بين الشعب ومؤسساته. فمن دون محاسبة حقيقية، سيبقى هذا القانون، كسابقه عام 1991، سابقة يُستحضَر نصّها كلما احتاجت السلطة إلى غطاء جديد لتصفية حساباتها، وسيبقى الوطن أسير دائرة مفرغة من العفو والنسيان والانهيار من جديد.