من قآن إلى ألتاي.. كيف تحاول تركيا امتلاك قلب صناعتها العسكرية؟

آب 14, 2026 الناشر 6 قراءة 1 دقائق قراءة

مع توسع تركيا في تطوير مقاتلات ومروحيات ومسيّرات ودبابات وصواريخ محلية، انتقلت معركة الاستقلال الدفاعي إلى مكوّن أكثر حساسية: المحرك. فامتلاك المنصة العسكرية لا يعني بالضرورة امتلاك قرار تشغيلها وتصديرها، كما أظهرت تجارب أتاك وقآن وألتاي، التي كشفت أن الاعتماد على محركات أو مكونات أجنبية يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط على القرار التركي. وفي المقابل، قطعت أنقرة خطوات متفاوتة في تطوير محركات محلية للطائرات والمسيّرات والمروحيات والصواريخ والمركبات البرية.

في ما يأتي خلاصة تقرير كتبه خالد أصلان، ونشره موقع نون بوست:
تتوزع معركة المحركات الدفاعية التركية بصورة أساسية على ثلاث شركات تتحرك في مسارات مختلفة. تقود تي إي آي TEI، أو توساش لصناعات المحركات TUSAŞ Engine Industries، مجال محركات الطيران والمسيّرات والمروحيات والتوربينات العسكرية، بينما تعمل كاله جيت إنجنز Kale Jet Engines على محركات الصواريخ والذخائر الجوالة، وتطور بي إم سي باور BMC Power حزم القوة للمركبات والدبابات.

وتتجاوز أهمية هذه الشركات حدود التطوير التقني، إذ يرتبط المحرك بقدرة المنصة على الحركة والاستمرار، وبحرية الإنتاج والتصدير، فضلًا عن امتلاك مواد وأنظمة تحكم واختبارات وشبكة صيانة وقطع غيار قادرة على ضمان استمرار التشغيل.

وكان خلوق بيرقدار، الرئيس التنفيذي لشركة بايكار، قد قال عام 2024 إن القطعة الناقصة في صناعة المسيّرات التركية هي المحرك، في إشارة إلى أن تطوير المنصة لا يكتمل من دون امتلاك منظومة الدفع.

أتاك.. حين يتحول المحرك الأجنبي إلى قيد على التصدير
تكشف مروحية أتاك T129 ATAK جانبًا من هذه المعضلة. فقد طورت تركيا نسخة محلية من المروحية الإيطالية A129 Mangusta، وكيّفتها توساش لصالح القوات التركية عبر أنظمة مهمة وتسليح واتصالات محلية.

لكن المروحية اعتمدت على محرك CTS800-4A المرتبط بمشروع إل إتش تي إي سي LHTEC الذي تنفذه هانيويل Honeywell الأميركية ورولز رويس Rolls-Royce البريطانية.

وفي يوليو/تموز 2018، وقعت باكستان صفقة لشراء 30 مروحية أتاك بقيمة قدرت بنحو 1.5 مليار دولار، شملت التدريب والذخائر وقطع الغيار والدعم اللوجستي. غير أن عملية التسليم دخلت في تأجيل طويل بسبب الحاجة إلى رخصة تصدير للمحرك.

وفي مارس/آذار 2021، ذكر موقع ديفنس نيوز Defense News أن اعتراض واشنطن على رخص تصدير محركات أتاك عطل الصفقة الباكستانية، فيما أشار موقع جينز Janes في يناير/كانون الثاني 2022 إلى أن واشنطن عرقلت بيع المحركات لباكستان، في حين منحت رخصة مماثلة للفلبين.

وأظهرت هذه الحالة أن امتلاك هيكل المروحية وأنظمتها لا يكفي بالضرورة لضمان حرية التصدير، إذا بقي المحرك خاضعًا لمورّد خارجي.

قآن وهورجت.. محركات المقاتلات تحت الاختبار
تنتقل المسألة إلى مستوى أكثر تعقيدًا مع مقاتلة قآن، التي تمثل أحد أبرز مشاريع تركيا في مجال الطائرات القتالية.

وقالت شركة جنرال إلكتريك أيروسبيس الأميركية في مايو/أيار 2026 إن قآن تعمل بمحركات إف-110، وهو الطراز المستخدم أيضًا في مقاتلات إف-16.

ونفذت قآن أول رحلة لها في فبراير/شباط 2024 باستخدام محركين من هذا النوع، ما سمح لتوساش بإخراج المقاتلة الوطنية إلى السماء. لكن خط الإنتاج المستقبلي يحتاج إلى محرك محلي أكثر تقدمًا، بما يجعل منظومة الدفع عنصرًا أساسيًا في اكتمال استقلال المقاتلة.

ويظهر الاعتماد الخارجي أيضًا في طائرة التدريب النفاثة هورجت HÜRJET التي تستخدم محرك جنرال إلكتريك إف-404 الأميركي.

وفي يوليو/تموز 2024، وقعت جنرال إلكتريك أيروسبيس مذكرة تفاهم مع توساش وتي إي آي لتقييم إدماج محرك إف-404 في نسخ جديدة من الطائرة، قبل أن تعلن في مايو/أيار 2026 اتفاقًا مع توساش لتوريد المحرك إلى هورجت.

واكتسب المشروع أهمية إضافية مع دخوله المسار الإسباني، بعدما وقعت توساش في يوليو/تموز 2025 اتفاقًا مع إيرباص لتسريع إدماج الطائرة في القوات الجوية الإسبانية، ثم تحول المسار في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى برنامج رسمي للتدريب القتالي المستقبلي باسم سايتا 2، يشمل 30 طائرة وتسليمًا أوليًا بين 2028 و2029.

ألتاي.. الدبابة التي كشفت أهمية حزمة القوة
تقدم دبابة ألتاي صورة مختلفة عن تحديات المحركات، لأن الدبابة تحتاج إلى حزمة قوة متكاملة تشمل المحرك وناقل الحركة والتبريد وأنظمة التحكم، إلى جانب القدرة على تحمل العمل الميداني لفترات طويلة.

اعتمدت النماذج المبكرة من ألتاي على حزمة أوروبية تضم محرك MTU MT883 وناقل الحركة RENK HSWL 295TM، قبل أن تتعثر المفاوضات بسبب القيود الألمانية على صادرات السلاح إلى تركيا.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2021، تحدث ديفنس نيوز عن اتفاقات نوايا مع شركات كورية لتوريد المحرك وناقل الحركة، قبل أن تدخل حزمة القوة الكورية في يني ألتاي بين أبريل/نيسان وديسمبر/كانون الأول 2022، وتكتمل اختبارات القيادة بنجاح.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، ذكرت وكالة الأناضول أن الإنتاج التسلسلي لألتاي بدأ بحزمة قوة مستوردة، على أن يستمر لاحقًا باستخدام حزمة باتو BATU المحلية التي تطورها بي إم سي باور.

تي إي آي.. من تجميع المحركات إلى التصميم المحلي
تشكل تي إي آي إحدى أهم حلقات بناء قاعدة المحركات التركية. وتعود بدايتها إلى عام 1985، عندما دخلت مجال تجميع واختبار وتصنيع أجزاء من محركات إف-110 الخاصة بمقاتلات إف-16، قبل أن تتوسع في الصيانة العميقة ودورة حياة المحركات الأجنبية.

وساعدت هذه المرحلة تركيا على اكتساب خبرة صناعية واختبارية، لكنها بقيت في البداية مرتبطة بمحركات أجنبية أو مرخصة.

ومنذ عام 2004، بدأت تي إي آي تطوير محركات أصغر، بينها TJ35 وTP38 وTJ90، قبل أن تتوسع خلال العقد الأخير نحو محركات محلية مثل PD170 وTS1400 وTF6000، وصولًا إلى TF35000 المخصص لمقاتلة قآن.

وكان PD170 من أبرز النجاحات العملية، إذ بدأ تشغيله في يناير/كانون الثاني 2017، ونفذ أول طيران ناجح على منصة أنكا ANKA في ديسمبر/كانون الأول 2018، ثم وصل إلى الإنتاج المتسلسل عام 2019.

ويستخدم PD170 في المسيّرات متوسطة الارتفاع وطويلة البقاء، ومنها أنكا وأقسنغور AKSUNGUR، وربطت وكالة الأناضول عام 2024 المحرك أيضًا بمهام بيرقدار تي بي 3.

أما PD222، فيمثل محاولة لرفع القدرة ضمن الفئة نفسها، إذ تعرضه تي إي آي بقدرة قصوى تصل إلى 222 حصانًا وعمر يصل إلى 3600 ساعة. ومع ذلك، بقي حتى الآن أقرب إلى محرك واعد قيد التحقق، من دون سجل خدمة أو إنتاج متسلسل يوازي PD170.

وفي قطاع المروحيات، يمثل TS1400 محطة أكثر أهمية. فقد بدأ مشروعه رسميًا في مارس/آذار 2017 بقوة أساسية تبلغ 1400 حصان، قبل أن ينفذ أول رحلة على مروحية غوكباي GÖKBEY في أبريل/نيسان 2023.

وفي يوليو/تموز 2024، أعلنت الشركة أن المحرك وصل في اختبار قياسي إلى 1740 حصانًا. ورغم ذلك، لا تزال صفحة المنتج العامة لمروحية غوكباي تعرض محركات LHTEC CTS800-4AT الأجنبية ضمن مواصفاتها.

وفي مجال المحركات التوربينية، يمثل TF6000 مرحلة أكثر تعقيدًا. وتقدمه تي إي آي بوصفه أول توربوفان عسكري تركي محلي، بدفع جاف يبلغ 6000 رطل.

وشُغّل المحرك للمرة الأولى في مارس/آذار 2024، ثم ظهر علنًا في اختبار على منصة متنقلة خلال معرض تكنوفيست في سبتمبر/أيلول 2025، بينما ظل في مرحلة اختبارات النضج والتحضير.

وتتفرع منه نسخة TF10000 المزودة بحارق لاحق، بدفع يصل إلى 10 آلاف رطل، فيما يمثل TF35000 سقف المسار الحالي، بوصفه محرك التوربوفان المستهدف لمقاتلة قآن بقوة تصل إلى 35 ألف رطل.

وفي فبراير/شباط 2026، قال محمود فاروق آقشيت إن محرك قآن بلغ مرحلة مراجعة التصميم الحرجة CDR، وهي محطة مهمة في التطوير، لكنها تسبق التشغيل والطيران والتكامل داخل المقاتلة.

كاله.. تركيا تقترب من امتلاك محرك الصاروخ
تتحرك كاله جيت إنجنز في مسار مختلف، يركز على محركات الصواريخ والذخائر الجوالة.

بدأت الشركة تطوير المحركات عام 2012، وفي العام التالي نفذ محرك KTJ-3200 أول اختبار تشغيل. وتصف كاله المحرك بأنه أول محرك توربوجيت تركي محلي مخصص للصواريخ، وتقول إنه يمنح صواريخ سوم SOM وأطمجة ATMACA قوة دفع تبلغ 3200 نيوتن.

وفي مارس/آذار 2024، حقق KTJ-3200 محطة مهمة عندما أصاب صاروخ أطمجة هدفه باستخدام المحرك المحلي، في اختبار أثبت قدرة المحرك على العمل داخل صاروخ مضاد للسفن.

أما KTJ-1750، فتقدمه كاله كمحرك توربوجيت أصغر بقوة دفع تبلغ 1750 نيوتن، ويستخدم مع صاروخ تشاقر ÇAKIR.

وفي مايو/أيار 2023، نُفذ أول اختبار إطلاق لتشاقر من مسيّرة أقنجي Akıncı باستخدام محرك KTJ-1750.

وفي الفئة الأكبر، يظهر KTJ-3700 بقوة دفع تبلغ 3700 نيوتن، والمخصص لصاروخ كارا أطمجة KARA ATMACA. وقالت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية في أغسطس/آب 2024 إن اختبار الصاروخ بالمحرك حقق أطول رحلة له حتى ذلك الوقت وأصاب الهدف.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، وقعت كاله اتفاق توريد للإنتاج المتسلسل مع روكيتسان لمحركات KTJ-3200A وKTJ-3200S وKTJ-1750 وKTJ-3700، المخصصة لصواريخ أطمجة وكارا أطمجة وسوم وتشاقر.

ثم وصلت الشركة إلى محطة التصدير، عندما أعلنت في أبريل/نيسان 2025 اتفاقها الأول لتصدير KTJ-3200 إلى البرازيل لدمجه في برنامج صاروخ MANSUP-ER البرازيلي المضاد للسفن.

وبذلك يبدو مسار كاله الأكثر نضجًا بين الشركات الثلاث، إذ تجاوزت عائلة KTJ مراحل الاختبار إلى التوريد المتسلسل والتصدير الخارجي.

بي إم سي باور.. الطريق الطويل إلى محرك ألتاي
تختلف مهمة بي إم سي باور عن مساري الطيران والصواريخ، لأن المحرك البري يرتبط مباشرة بعزم الحركة والتبريد ونقل القدرة والتحمل والعمل فوق التضاريس.

وتقدم الشركة مجموعة من المحركات التي تبدأ من تونا TUNA بقوة 400 حصان، مرورًا بأزرا AZRA وليفند LEVEND بقوة 600 حصان، وصولًا إلى أوتكو UTKU بقوة 1000 حصان وباتو BATU بقوة 1500 حصان.

بدأ تونا تشغيله عام 2020، وفي فبراير/شباط 2023 أعلنت بي إم سي باور تسليم أول دفعة منه، مشيرة إلى بدء الإنتاج التسلسلي واستخدامه في مركبات فوران VURAN.

أما أزرا، فهو محرك ديزل بقوة 600 حصان، وتعرضه الشركة لاستخدامات تشمل ناقلات الدبابات والمركبات اللوجستية، فيما يستهدف ليفند منصات برية وبحرية.

ويظهر أوتكو كحزمة قوة بقوة 1000 حصان تضم المحرك وناقل الحركة، وتستهدف مركبات مجنزرة خفيفة يصل وزنها إلى 45 طنًا ومدفع فرتينا FIRTINA ذاتي الحركة.

وتصل السلسلة إلى باتو، الذي يمثل حجر الزاوية في مسار ألتاي. وتعرّف بي إم سي باور المشروع بأنه حزمة قوة بقوة 1500 حصان، تتكون من محرك وناقل حركة وحزمة تبريد.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت الشركة اكتمال أنشطة قبول المصنع الخاصة بالمحرك، فيما كانت اختبارات وتأهيل ناقل الحركة المحلي المرتبط بالمشروع مستمرة.

ثلاث شركات وثلاث سرعات
تكشف تجربة المحركات أن تركيا لا تتحرك بالسرعة نفسها في جميع القطاعات.

تسير كاله في المسار الأسرع داخل محركات الصواريخ، بعدما اجتازت عائلة KTJ اختبارات الطيران ودخلت عقود التوريد والإنتاج المتسلسل والتصدير.

أما تي إي آي فتتحرك في مسار أوسع وأكثر تعقيدًا، إذ أغلقت جزءًا مهمًا من فجوة محركات المسيّرات والمروحيات عبر PD170 وTS1400، وفتحت مسار التوربينات العسكرية عبر TF6000، بينما لا يزال محرك المقاتلة في مرحلة التصميم والتطوير.

وتسير بي إم سي باور في مسار بري أطول، بدأ بمحركات أقل قوة ثم انتقل إلى حزم قوة بقدرات 1000 و1500 حصان، حيث يصبح ناقل الحركة والتبريد والاعتمادية جزءًا من منظومة المحرك نفسها.

وتكشف هذه المسارات أن المحرك هو الحلقة الأكثر تعقيدًا في مشروع الاستقلال الدفاعي التركي. فالمسألة لا تتعلق بتصميم قطعة ميكانيكية فحسب، وإنما بامتلاك مواد متقدمة وأنظمة تحكم واختبارات واعتمادية وسلاسل توريد وصيانة وقطع غيار، إضافة إلى حقوق الملكية التي تضمن حرية الإنتاج والتصدير.

ومن هنا، فإن نجاح تركيا في بناء منصات جوية وبرية وصاروخية لا يكتمل بصورة كاملة من دون امتلاك منظومات الدفع التي تحركها وتبقيها في الخدمة وتمنح أنقرة حرية تصديرها من دون انتظار قرار خارجي.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تصميم أنقرة على إغلاق هذه الحلقة، قائلًا خلال فعالية مرتبطة بمروحية غوكباي إن تركيا لن ترتاح حتى تحقق الاستقلال الكامل في الصناعات الدفاعية.