اتفقت السعودية وباكستان وتركيا في مدينة مكة، في 7 آب/أغسطس 2026، على إقامة تحالف دفاعي ثلاثي، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والهجمات التي استهدفت المملكة واستمرار الحرب في الشرق الأوسط. ويجمع الاتفاق بين ثلاث قوى رئيسية في العالم الإسلامي، وسط تقديرات بأن أهميته لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى والأمن الإقليمي وتقليص الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة.
وتناول ماهر الشريف، في دراسة نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية في 10 آب/أغسطس 2026 بعنوان التحالف الدفاعي الثلاثي: خلفيته ومراميه، خلفيات الاتفاق الثلاثي وأهدافه وانعكاساته المحتملة على النظام الإقليمي.
من الاتفاق السعودي الباكستاني إلى تحالف مكة
يمتد الأساس المباشر للتحالف الجديد إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وباكستان في أيلول/سبتمبر 2025، والتي نصت على تعزيز الردع المشترك، واعتبار أي عدوان على إحدى الدولتين عدواناً على الأخرى.
وجاءت الاتفاقية في وقت كانت فيه الرياض تعيد تقييم مستوى الاعتماد على الحماية الأميركية، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية والضربات الإسرائيلية والتهديدات الإيرانية. واعتبر محللون أن الاتفاق السعودي الباكستاني حمل دلالات تتجاوز التعاون العسكري، باعتباره مؤشراً إلى إعادة توزيع محتملة للأدوار والمواقف في المنطقة.
وفي مطلع 2026، برزت مؤشرات على توجه تركيا للانضمام إلى هذا الترتيب الدفاعي. وأفادت تقارير بأن المحادثات بين أنقرة والرياض وإسلام أباد وصلت إلى مراحل متقدمة، في ظل تنامي التعاون الاقتصادي والعسكري بين الدول الثلاث، ووجود علاقات دفاعية متينة بين تركيا وباكستان.
اتفاق مكة يجمع ثلاث قوى إقليمية
تكتسب الاتفاقية الثلاثية أهميتها من الجمع بين تركيا، صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، والسعودية بوصفها القوة الرئيسية في الخليج وراعية الأماكن المقدسة الإسلامية، وباكستان باعتبارها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.
وتؤكد الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، وأن هدفه تعزيز الردع الجماعي والاستقرار الإقليمي. كما أبقت الباب مفتوحاً أمام انضمام شركاء آخرين.
وبحسب وزارة الخارجية الباكستانية، ينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح ضد إحدى الدول الثلاث سيُعتبر هجوماً عليها جميعاً، فيما اعتبرت تركيا الاتفاق مساهمة في الحفاظ على السلام في المنطقة.
ويرى محللون أن الاتفاق قد يعزز الثقل الدبلوماسي والعسكري للدول الثلاث، ويدفع باتجاه تشكيل هيكل أمني إقليمي تلعب فيه القوى المحلية دوراً أكبر، بدلاً من استمرار اعتماد المنطقة بصورة رئيسية على المظلة الأمنية الأميركية.
إيران في صلب الحسابات الأمنية
على الرغم من تأكيد الدول الثلاث أن الاتفاق لا يستهدف دولة محددة، يرى عدد من المحللين أن إيران تمثل أحد أبرز العوامل التي دفعت باتجاه هذا الترتيب الأمني.
فالتوترات في الخليج، والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والاضطرابات التي طالت الملاحة البحرية، إلى جانب المخاوف المتعلقة بمضيق هرمز وباب المندب، دفعت دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة.
ويذهب بعض المحللين إلى أن التحالف يمثل محاولة لكبح النفوذ الإيراني في الخليج والممرات المائية الاستراتيجية، وإعادة صياغة الأمن الإقليمي ضمن إطار عربي وإسلامي يتجاوز الاعتماد على الترتيبات التي تقودها القوى الغربية.
رسالة إلى واشنطن
لا تقتصر دلالات الاتفاق على إيران، إذ يحمل التحالف أيضاً رسالة إلى الولايات المتحدة بشأن مستقبل دورها الأمني في الشرق الأوسط.
فبحسب التقديرات التي تناولتها الدراسة، لا يعني اتفاق مكة بالضرورة رغبة الدول الثلاث في القطيعة مع واشنطن أو استبدالها، وإنما يعكس توجهاً نحو تنويع الشراكات الأمنية وتقليل الاعتماد على ضامن واحد.
ويشير هذا التوجه إلى رغبة إقليمية في امتلاك قدرات وتحالفات أكثر مرونة، بما يسمح للدول المعنية بالتعامل مع الأزمات بعيداً عن انتظار تدخل قوة خارجية بصورة منفردة.
إسرائيل أمام ترتيبات إقليمية جديدة
يمثل التحالف أيضاً تحدياً محتملاً للحسابات الإسرائيلية بشأن مستقبل النظام الإقليمي.
وتخشى إسرائيل من اتساع النفوذ التركي في المنطقة ومن القدرات العسكرية والنووية الباكستانية، في وقت تسعى فيه إلى الحفاظ على موقعها بوصفها شريكاً أمنياً واستراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، قلّل المحلل السياسي تسفي برئيل، في مقال نشرته صحيفة هآرتس في 8 آب/أغسطس 2026، من أهمية الجانب العسكري المباشر للتحالف، لكنه رأى إمكانية تحوله إلى تحالف سياسي منسق يستطيع التأثير في السياسة الأميركية في المنطقة.
ووفق هذا التصور، قد تجد إسرائيل نفسها أمام قوة إقليمية جديدة قادرة على منافستها في التأثير في واشنطن، ولا سيما إذا نجحت الدول الثلاث في تنسيق مواقفها السياسية والأمنية.
الاختبار الحقيقي في التنفيذ
رغم أهمية الإعلان السياسي، تبقى فعالية التحالف مرتبطة بقدرته على الانتقال من الاتفاق إلى آليات عملية.
ولا تزال تفاصيل الاتفاق التشغيلية غير معلنة بصورة كاملة، بما في ذلك الظروف التي تستدعي التدخل المشترك، وطبيعة المساعدة التي ستقدمها الدول الثلاث، وآليات التنسيق بين قياداتها، والدور الذي يمكن أن تؤديه القدرات الاستراتيجية الباكستانية.
ويحتاج التحالف المستدام إلى تدريبات مشتركة، وبروتوكولات لإدارة الأزمات، وأنظمة عسكرية متوافقة، وثقة سياسية بين الأطراف. وفي حال نجاح هذه المتطلبات، يمكن أن يتحول اتفاق مكة إلى أحد أبرز الهياكل الأمنية الإقليمية خلال السنوات المقبلة، أما إذا تعثرت عملية التنفيذ، فقد يبقى الاتفاق في حدود الرسالة الدبلوماسية والسياسية.
الخلاصة
يمثل اتفاق مكة تطوراً مهماً في مسار إعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط، إذ يجمع السعودية وتركيا وباكستان ضمن إطار دفاعي مشترك في مرحلة تتراجع فيها ثقة بعض دول المنطقة بالاعتماد الحصري على الولايات المتحدة.
وبينما تؤكد الدول الثلاث الطابع الدفاعي للاتفاق، فإن تداعياته المحتملة تتجاوز الدفاع المشترك إلى إعادة توزيع النفوذ الإقليمي، وموازنة النفوذ الإيراني، وتعزيز هامش الاستقلال الأمني عن واشنطن، وفرض معادلات جديدة على إسرائيل.
لكن وزن التحالف الفعلي سيظل مرتبطاً بقدرته على بناء مؤسسات وآليات تنفيذ مشتركة، إذ إن نجاحه في الانتقال من إعلان سياسي إلى منظومة أمنية عملية هو العامل الذي سيحدد ما إذا كان اتفاق مكة سيصبح تحالفاً إقليمياً مؤثراً أم مجرد رسالة سياسية في مرحلة مضطربة.