من قلب المدينة ذات الأهمية الأولى في العالم الإسلامي، أرتأت السعودية أن يكون الإعلان عن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع تركيا وباكستان ـ أقوى دولتين مسلمتين (سنيّتين) في غرب آسيا ـ في مشهدية رمزية، لطالما حرص العقل الحاكم في المملكة على تقديمها بوصف هذه البلاد “قائدة” العرب والمسلمين.
ولعل الرياض بجلبها قائدي هاتين الدولتين القويتين ـ بتأثير من حضور المملكة القوي، اقتصادياً، في كل من باكستان وتركيا – تريد استعادة بعضاً من هيبة مبددة بين اليمن والبحر الأحمر من جهة وإيران ومياه الخليج من جهة أخرى، وصولاً إلى ما قيل عن تحركات لفصائل عراقية تستهدف الأراضي السعودية أو منشآتها الحيوية، لكن ما تم التوقيع عليه في قصر الصفا لا يلبي طموحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فالهدف الأساس الذي تنص عليه “اتفاقية مكة” أن [أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع]، خالفه، أو نأى عنه، الطرفان الآخران من الاتفاقية، حيث ترى إسلام آباد أن الهدف من الاتفاقية هو “إضفاء طابع رسمي على عقود من التعاون القائم مع السعودية الذي يرقى إلى بدايات تأسيس باكستان، وليس إنشاء كتلة عسكرية جديدة أو تحالف هجومي مُوجّه ضد أي دولة بعينها، وأن الغرض المعلن منه ليس إنشاء كتلة جيوسياسية جديدة”، كما يؤكد محللون أمنيون لصحيفة “باكستان تريبون” التي أعادت التذكير بحرص باكستان على دورها الدبلوماسي وإدارة الوساطات، خاصة بين طهران وواشنطن، بينما سارعت أنقرة إلى الابتعاد عن أي التزامات ضد أطراف أو دول محددة مركزةً على الشق الاقتصادي والتجاري من التعاون مع الرياض.
وللإضاءة أكثر على الموقف التركي، فإن ما ذكره الرئيس رجب طيب أردوغان عن إسهام الاتفاقية في “تنفيذ مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية ومكافحة الإرهاب”، يحصر مهمة أنقرة في بيع الرياض أسلحة وذخائر ومنظومات تسليحية وبرامج أمنية وعسكرية للمراقبة، بما يتعارض مع المشاركة المباشرة في الحرب الدائرة بين السعودية وأنصار الله، أو مع الحشد الشعبي مؤخراً، أو ما هو أبعد مع إيران، مع تأكيد اردوغان على مواصلة تركيا “موقفها المبدئي تجاه حل النزاعات والأزمات من خلال الحوار والدبلوماسية”، في ابتعاد واضح عما حاولت تقديمه الرياض من تصور للاتفاقية، وجعلها “تحالفاً عسكرياً” ضد القوى الثلاث (في اليمن والعراق وإيران)، ولم يدع الرئيس التركي مجالاً للشك بأن انقرة ليست في أي اصطفاف ضد طهران بتشديده على أن الاتفاقية “لا تستهدف أي دولة” و”هي مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة”، وهو ما ينسف ما حاولت الرياض التأسيس له من “تحالف” موجّه بالأساس ضد عمليات إيران أو حلفائها في منطقة غرب آسيا.
وربما كان أبلغ تعليق على لقاء مكة الثلاثي، ما عبّر عنه نائب الرئيس التركي جودت يلماز من توقع أن تسهم الاتفاقية في “إعطاء زخم للتعاون الاقتصادي خاصة في مجالات التجارة والتمويل والاستثمار”، وهو صلب اهتمام انقرة، وأولى أولويات بلاد الأناضول الاستراتيجية، التي تعززها الأرقام الصاعدة مع تجاوز حجم التبادل التجاري بين تركيا والسعودية بداية العام 8.6 مليارات دولار، وسعيهما لرفع حجم التجارة إلى 10 مليارات دولار على المدى القريب، و30 مليار دولار على المدى الطويل.
في المحصلة، تشتري الرياض “تحالفاً” وهو ليس الأول من نوعه فقد سبقه تحالفات بدأت بدول وانتهت بالسعودية وحيدة، من “عاصفة الحزم” و”التحالف الإسلامي العسكري” في 2015، إلى “التحالف البحري” في 2026 وصولاً إلى “اتفاقية مكة” الآن، والعين على استعادة الهيبة الإقليمية، بعد فشل الحماية الأميركية في درء النيران الإيرانية عن أرض المملكة، بينما تُقدم أنقرة ـ وإسلام آباد أيضاً ـ ما تحتاجه السوق السعودية، إن كان حضوراً رفيعاً المستوى على درجة رئيس جمهورية، أو منتجات تسليحية متطورة (سقط بعضها بنيران أنصار الله في الأجواء اليمنية) أو شراكة أمنية ببرامج المراقبة وما أفرزه الذكاء الصناعي العسكري الذي بدأ الأتراك العمل عليه باكراً في عملياتهم الأمنية (خاصة مكافحة نشاط حزب العمال الكردستاني “بي كي كي” ومتفرعاته).
غير أن ابتعاد بلاد الأناضول عن سياسة المواجهة الواضحة في المنطقة المحيطة بالسعودية، أو تحمل وزر عضوية “تحالف” تريده الرياض موجّهاً، لا يجب أن يغيب عنه أنها، أيضاً، في صلب التواجد العسكري في جنوبيّ غرب آسيا، حيث يمتلك العسكريون الأتراك إشرافاً على الخليج ووجوداً عسكرياً مباشراً فيه من قاعدة الريان العسكرية في قطر منذ الاتفاق مع الدوحة في 2014 وحتى انتشارهم في 2017، بينما تعطي “تركسوم” (TURKSOM) أكبر قاعدة عسكرية خارجية تركية في العالم إطلالة من الصومال على خليج عدن، منذ افتتاحها في 30 أيلول/سبتمبر 2017. هذا الحضور بلا شك ـ وإن فُسر في بعض جوانبه تنازعاً مع “إسرائيل” في المنطقة ـ مؤشر واضح على جهوزية القوة التركية، في حال تغير الأحوال الجيوسياسية أو تبدل الستاتيكو القائم بين الدول الموجودة في المنطقة، للانخراط في اصطفافات مستقبلية أو اشتباك مباشر وفق هذه الاصطفافات.