من الشركات الناشئة إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي.. إسرائيل تبحث عن السيادة الحاسوبية

آب 8, 2026 الناشر 6 قراءة 1 دقائق قراءة

مقدمة
تسعى إسرائيل إلى إعادة صياغة نموذجها الاقتصادي والتكنولوجي عبر الانتقال من النموذج الذي ارتبط بها لعقود باعتبارها دولة للشركات الناشئة إلى اقتصاد أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة. ويأتي هذا التحول في ظل تغير طبيعة المنافسة التكنولوجية عالميًا، التي لم تعد تعتمد فقط على عدد الشركات الجديدة، وإنما على امتلاك الرقائق المتقدمة، ومراكز البيانات، والقدرات الحاسوبية، وقواعد البيانات، والمواهب القادرة على تحويل هذه الموارد إلى منتجات تجارية وتطبيقات أمنية وعسكرية.

وفي مقاله المنشور لدى مركز رؤية للتنمية السياسية، يناقش الدكتور عبد الرحمن عاطف أبو زيد هذا التحول، مستعرضًا مقومات القوة التي يمتلكها قطاع الهاي-تك الإسرائيلي، والتحديات التي تواجهه، والجهود الحكومية لبناء بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى مفهوم السيادة الحاسوبية باعتباره الحلقة الجديدة في الاستراتيجية التكنولوجية الإسرائيلية.

الهاي-تك.. قاعدة التحول الجديد
لا يبدأ التحول الإسرائيلي من نقطة الصفر، إذ يمثل قطاع التكنولوجيا المتقدمة، أو الهاي-تك، إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي. ووفق البيانات التي يستند إليها المقال، شكّل العاملون في القطاع نحو 10.4% من العاملين بأجر عام 2021، وأسهم القطاع بنحو 15.3% من الناتج المحلي و54% من الصادرات، فيما جاء قرابة ربع إيرادات ضريبة الدخل من العاملين فيه.

وتفسر هذه الأهمية الاقتصادية سعي إسرائيل إلى نقل مركز الثقل نحو الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة للحفاظ على النمو والصادرات والإيرادات العامة.

ويرى المقال أن هذا الانتقال يفرض متطلبات تتجاوز وفرة المهندسين والأفكار، إذ تحتاج شركات الذكاء الاصطناعي إلى الرقائق المتقدمة ومراكز البيانات والقدرات الحاسوبية والنماذج المتطورة، إلى جانب رأس المال العالمي. وهو ما يعيد الدولة إلى موقع أكثر مباشرة في تنظيم البنية التحتية وتطوير المهارات وخلق الطلب الحكومي وتقليل مخاطر الاعتماد على المزودين الخارجيين.

التمويل يتعافى.. لكن السوق أكثر تركيزًا
يعتمد قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي بدرجة كبيرة على تدفقات رأس المال العالمي. وبلغت استثمارات الهاي-تك ذروتها عند 24.9 مليار دولار عام 2021، قبل أن تتراجع إلى نحو 15 مليار دولار عام 2022 وتنخفض مجددًا خلال 2023.

وفي 2025، جمعت الشركات نحو 14.6 مليار دولار، لكن التعافي تركز بصورة أكبر في جولات التمويل الكبرى، بينما استمر تراجع تمويل الشركات الناشئة في مراحلها الأولى.

وبحسب المقال، يشير ذلك إلى تحول في طبيعة السوق، إذ لا تعني عودة التمويل بالضرورة توسع قاعدة الشركات، وإنما تعكس تزايد تركّز الاستثمارات في عدد محدود من الشركات، خصوصًا العاملة في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، والقادرة على جذب المستثمرين الأجانب.

ويقدم المقال شركة إيه آي 21 لابز نموذجًا لهذا الاتجاه، بعدما جمعت نحو 155 مليون دولار في جولة تمويل عام 2023 بمشاركة غوغل وإنفيديا، ليرتفع تقييمها إلى 1.4 مليار دولار.

كما يبرز دور الشركات العالمية في تطوير البنية التحتية، من خلال إنشاء إنفيديا الحاسوب الفائق إسرائيل-1 في إسرائيل، وإعلان غوغل عام 2025 اتفاقًا للاستحواذ على شركة ويز للأمن السحابي مقابل 32 مليار دولار.

ويخلص المقال إلى أن القيمة التكنولوجية الإسرائيلية باتت مرتبطة بدرجة متزايدة بقدرتها على توفير الحوسبة والأمن والبيانات، وليس فقط بكثرة الشركات الناشئة.

المواهب ومراكز القرار أمام اختبار جديد
يرصد المقال تحديًا آخر يتمثل في انتقال جزء من النشاط والوظائف إلى خارج إسرائيل. ففي مارس 2026، كان 62% فقط من العاملين في الشركات الإسرائيلية الخاصة يعملون داخل إسرائيل، مقارنة بنحو 69% عام 2019، بالتزامن مع توسع النشاط في الولايات المتحدة وتراجع نسبة كبار المديرين المقيمين محليًا.

كما انخفض عدد العاملين في البحث والتطوير بنحو 3,500 شخص خلال 2025، للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.

ويرى المقال أن هذا التراجع قد يرتبط بالتغير في طبيعة الوظائف مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنه قد يعكس أيضًا انتقال المواهب ومراكز القرار إلى الخارج في ظل الحرب وعدم اليقين السياسي.

وتظهر حالة إنتل عمق ارتباط الاقتصاد الإسرائيلي بالشركات متعددة الجنسيات. فمنذ دخولها السوق الإسرائيلية في سبعينيات القرن الماضي، وسعت الشركة أنشطتها في التصنيع والبحث والتطوير، ووظفت أكثر من 9 آلاف شخص، فيما بلغت صادراتها التراكمية نحو 86 مليار دولار حتى عام 2023.

لكن هذا الاندماج يحمل مفارقة، بحسب المقال؛ فالشركات متعددة الجنسيات توفر التمويل والبنية الحاسوبية والأسواق العالمية، لكنها قد تنقل الملكية الفكرية ومراكز الإدارة والقرار إلى الخارج، بما قد يجعل إسرائيل مركزًا لإنتاج المعرفة من دون الاحتفاظ دائمًا بكامل القيمة الاقتصادية الناتجة عنها.

الذكاء الاصطناعي والفجوة الاجتماعية
لا تقتصر تداعيات التحول على الاقتصاد والبنية التكنولوجية، بل تمتد إلى سوق العمل.

فإذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى تقليص الطلب على وظائف المبتدئين واختبار البرمجيات وأعمال البرمجة الروتينية، فقد يصبح دخول قطاع الهاي-تك أكثر صعوبة أمام العرب واليهود الحريديم وسكان المناطق البعيدة عن المراكز الاقتصادية والتكنولوجية.

ويشير المقال إلى دراسة للكنيست عام 2025 رصدت تراجعًا نسبيًا في حصة وظائف الهاي-تك من سوق العمل، بالتزامن مع تنامي تأثير الذكاء الاصطناعي في طبيعة الوظائف وتركيبها.

ومن هنا تبرز مفارقة محتملة تتمثل في ارتفاع الإنتاجية من جهة، مقابل تضييق المسارات التعليمية والمهنية المؤدية إلى الوظائف مرتفعة الأجر من جهة أخرى، بما قد يؤدي إلى اتساع الفجوة الطبقية.

قاعدة تكنولوجية قوية
رغم هذه التحديات، تستند إسرائيل إلى قاعدة تكنولوجية كثيفة. فبين عام 2012 وفبراير 2023، ارتفع عدد العاملين في قطاع الهاي-تك من نحو 274 ألفًا إلى قرابة 392 ألفًا، فيما بلغ متوسط الأجر الشهري في القطاع 30,241 شيكلًا، مقابل 12,061 شيكلًا في الاقتصاد عمومًا.

كما بلغ الإنفاق على البحث والتطوير عام 2021 نحو 5.6% من الناتج المحلي، مقابل متوسط قدره 2.7% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وحافظ القطاع على أهميته خلال الحرب وتباطؤ النشاط الاقتصادي؛ إذ بلغ ناتج الهاي-تك عام 2024 نحو 317 مليار شيكل، بما يعادل 17.3% من الناتج المحلي، فيما وصلت حصته من الصادرات عام 2025 إلى مستوى قياسي بلغ 58%، وأسهم بنحو نصف النمو الاقتصادي، واقترب عدد العاملين فيه من 400 ألف.

وتشير البيانات التي يستند إليها المقال إلى وجود نحو 2,158 شركة تعمل في البحث والتطوير المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بينها 199 فرعًا لشركات متعددة الجنسيات.

من المبادرات المتفرقة إلى مشروع الدولة
يرى الدكتور عبد الرحمن عاطف أبو زيد أن التوجه الإسرائيلي نحو الذكاء الاصطناعي ليس جديدًا، لكنه اكتسب طابعًا أكثر إلحاحًا بعد سنوات من الخطط غير المكتملة.

ففي 2019، طُرحت توصيات باستثمار حكومي سنوي يتراوح بين مليار وملياري شيكل، بهدف وضع إسرائيل بين الدول الخمس الرائدة عالميًا ومحاولة تكرار تجربة بناء قطاع الأمن السيبراني.

وبحسب البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي، حصلت 492 شركة إسرائيلية تعمل في المجال على تمويل بين عامي 2013 و2024، بإجمالي يقارب 15 مليار دولار.

لكن المقال يلفت إلى فجوة بين قوة السوق وقدرة الدولة على بناء إطار مؤسسي متماسك. فقد خلص تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي الصادر عام 2024 إلى وجود نقص في استراتيجية طويلة الأجل وخطة تنفيذ موحدة، إلى جانب بطء الاستفادة من الميزانيات المخصصة للحوسبة عالية الأداء وتنمية رأس المال البشري.

كما يشير المقال إلى ضعف نسبي في تنسيق السياسات المدنية وإتاحة البيانات وبناء بنية حوسبية عامة مستقلة نسبيًا عن الشركات الأجنبية.

برنامج وطني بتكلفة مليارات الشواكل
جاءت القفزة المؤسسية، وفق المقال، في يونيو 2026، عندما اعتمدت الحكومة الإسرائيلية برنامجًا وطنيًا جديدًا للذكاء الاصطناعي، وتولى المقر الوطني للذكاء الاصطناعي في مكتب رئيس الوزراء تنسيق تنفيذه.

وتشمل الخطة إنشاء معهد وطني، ومختبرات لتطبيق الذكاء الاصطناعي في الصحة والتعليم والنقل، وتوسيع برامج التدريب، وافتتاح نحو عشرة برامج جامعية، وتقديم حوافز لإعادة الخبراء من الخارج، إلى جانب إعداد برنامج لتأهيل قرابة أربعة ملايين عامل.

وتُقدّر تكلفة التنفيذ بنحو خمسة مليارات شيكل سنويًا، بما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من ملف ابتكار قطاعي إلى مشروع دولة متعدد الوزارات.

لكن هذا التوجه يثير، بحسب المقال، جدلًا حول حجم الإنفاق وأولوياته، في ظل تحذيرات من مشروعات ضخمة قد تتجاوز قيمتها الرمزية عائدها العملي، مقابل رؤية قطاع الأعمال التي تعتبر أن التأخر في الاستثمار أصبح أكثر كلفة.

السيادة الحاسوبية.. الحلقة الجديدة
يمثل مفهوم السيادة الحاسوبية إحدى أبرز الأفكار التي يركز عليها المقال. ويقصد بها امتلاك قدرة محلية كافية لتشغيل النماذج المتقدمة وتقليل الاعتماد الكامل على مراكز البيانات والخدمات الأجنبية.

وتستهدف الخطط الإسرائيلية توفير نحو 100 ألف معالج مخصص للذكاء الاصطناعي، وإنشاء مصنع متقدم لأشباه الموصلات وحاسوب كمي، إلى جانب تصنيف مزارع الخوادم باعتبارها بنية تحتية وطنية وتسريع إجراءات إنشائها.

لكن تنفيذ هذه الخطط يواجه قيودًا كبيرة، خصوصًا في الكهرباء والشبكات والأراضي. فقد بلغت طلبات توصيل مزارع الخوادم الجديدة بالشبكة نحو 20 ألف ميجاواط، وهو مستوى يتجاوز إجمالي الطلب الحالي على الكهرباء في إسرائيل.

كما تواجه الشركات ارتفاع تكلفة الحوسبة وصعوبة الحصول على المعالجات المتقدمة، إذ قد تتحمل شركة إسرائيلية متوسطة نحو 200 ألف دولار سنويًا في تكاليف الحوسبة، بينما تصل فترات الانتظار للحصول على وحدات المعالجة إلى ستة أشهر.

ولذلك، لا تعني السيادة الحاسوبية، وفق الطرح الذي يعرضه المقال، تحقيق اكتفاء ذاتي كامل، وإنما تقليل مخاطر الاعتماد الخارجي، وضمان الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، وتنويع الموردين، وتطوير نماذج متخصصة باللغة العبرية والخدمات العامة، وتشغيل النماذج داخل إسرائيل عند الضرورة.

الخلاصة
يخلص مقال الدكتور عبد الرحمن عاطف أبو زيد إلى أن انتقال إسرائيل من نموذج الهاي-تك القائم على كثافة الشركات الناشئة إلى اقتصاد أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا يتجاوز الجانب التقني إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والتكنولوجيا.

فالشركات المحلية توفر التطبيقات والنماذج والقدرات البحثية، بينما تتولى الدولة بصورة متزايدة تطوير البنية التحتية والمهارات والطلب العام، في حين تؤمّن الشركات متعددة الجنسيات جزءًا أساسيًا من الرقائق والحوسبة والسحابة والأسواق ورأس المال.

لكن قوة المنظومة تواجه مجموعة من التحديات، أبرزها الاعتماد على رأس المال والتكنولوجيا والبنية التحتية الخارجية، وانتقال جزء من المواهب ومراكز القرار إلى الخارج، وضعف التنسيق وإتاحة البيانات، إلى جانب الضغوط المتزايدة على الكهرباء والبنية التحتية نتيجة التوسع في مراكز البيانات.

وبالتالي، فإن نجاح التحول الإسرائيلي إلى اقتصاد الذكاء الاصطناعي لن يتوقف على عدد الشركات والباحثين فقط، بل على قدرة الدولة على الجمع بين المواهب والتمويل والحوسبة والطاقة والبيانات، مع الحفاظ على اتصال المنظومة بالأسواق العالمية وتقليل مخاطر الاعتماد على الخارج.