حداثة أم استسهال؟ الشعر العربي بين عمق المعنى ولغو السوق

تموز 26, 2026 محمد دعيبس 18 قراءة 1 دقائق قراءة

منذ متى أصبحت قصيدة الشعر منصة لعرض محتويات الثلاجة؟ هذا السؤال يفرض نفسه بإلحاح كل مرة نقرأ فيها “قصيدة” حديثة تتوسل الشهرة بذكر منتج استهلاكي أو خبر عابر، وكأن الشاعر نفد منه المعنى فلجأ إلى أقرب رف في السوبرماركت لينتشل منه “إلهامه”. حين قال المتنبي “الخيل والليل والبيداء تعرفني”، لم يكن يبحث عن قافية سهلة، بل كان يبني عالمًا كاملًا من الصورة والإيقاع والمعنى. أما اليوم، فبعض من يسمون أنفسهم شعراء يكتبون أبياتًا يقحمون فيها أسماء منتجات تجارية أو عناوين نشرات الأخبار، ظانين أن “الحداثة” تعني تفريغ اللغة من كرامتها وملء الفراغ بأي شيء يتقاطع مع لسانهم في تلك اللحظة. هذه ليست حداثة، بل استسهال. الحداثة الحقيقية في الشعر العربي حملها أمثال أدونيس والسياب ودرويش، الذين هدموا العمود الخليلي ليبنوا عمارة شعرية جديدة، لا ليهدموا اللغة نفسها ويستبدلوها بثرثرة السوق ولغو الشاشات.

حين تتحول القصيدة إلى سجل يومي لكل ما يمر أمام عين الشاعر، من إعلان تجاري إلى عنوان صحفي عابر، فإنها تفقد أهم ما يميزها: القدرة على التكثيف والتجاوز. الشعر ليس تدوينًا لحظيًا، بل تقطير للتجربة الإنسانية عبر الزمن. حين يكتب أحدهم بيتًا يذكر فيه منتجًا استهلاكيًا بلا أي وظيفة جمالية أو رمزية، فهو لا يفعل شيئًا سوى الإعلان عن إفلاسه الشعري. والمشكلة ليست في ذكر تفاصيل الحياة اليومية بحد ذاتها؛ فبعض أعظم الشعر العربي الحديث استلهم من المطبخ والشارع والبيت، لكن المشكلة في غياب الوعي الفني الذي يحوّل التفصيلة العابرة إلى رمز، وتحويلها بدلًا من ذلك إلى استعراض سطحي هدفه الوحيد إثارة الضحك أو التفاعل السريع على مواقع التواصل. هذا الفرق جوهري: بين شاعر يستخدم “الخبز” ليتحدث عن الفقر والكرامة، وبين آخر يذكر منتجًا تجاريًا بلا أي هدف سوى ملء السطر.

الشعر العربي أمانة حملها الأجداد عبر قرون، من امرئ القيس إلى محمود درويش. حين نسمح لهذه الأمانة أن تتحول إلى مزحة سريعة الزوال تُنسى بمجرد انتهاء “الترند”، فإننا نخون تراثًا كاملًا من الجمال والمعنى. على الشعراء الحقيقيين أن يستعيدوا وعيهم بخطورة الكلمة، وأن يدركوا أن كل بيت يكتبونه إما يُضيف إلى هذا الإرث أو يُسيء إليه. الشعر ليس مساحة للتسلية العابرة، بل مرآة للروح. ومن يريد أن يكتب عن “بيضة كندر”، فليكتب منشورًا على فيسبوك، ويترك القصيدة لمن يحترم اللغة والمعنى.