غياب الأمم المتحدة عن الصراع الأميركي–الإيراني: بين قيود النظام الدولي وتوازنات القوى

تموز 26, 2026 حسين الهادي 9 قراءة 1 دقائق قراءة

كلما تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: أين الأمم المتحدة؟ ولماذا تبدو عاجزة عن لعب دور مؤثر في احتواء الأزمة أو الحد من تداعياتها على الشرق الأوسط؟ ورغم أن ميثاق الأمم المتحدة أناط بها مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين، فإن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين النصوص القانونية وقدرة المنظمة على التأثير في النزاعات التي تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى.

لفهم هذا الواقع، لا بد من النظر إلى طبيعة النظام الدولي الذي تعمل في إطاره الأمم المتحدة. فوفقًا لنظرية “الواقعية السياسية”، التي يعدّ هانز مورغنثاو من أبرز منظّريها، فإن الدول تتحرك انطلاقًا من مصالحها الوطنية وتوازنات القوة، لا وفقًا للمبادئ القانونية أو الأخلاقية وحدها. ومن هذا المنطلق، تصبح الأمم المتحدة انعكاسًا لموازين القوى الدولية أكثر من كونها سلطة مستقلة قادرة على فرض إرادتها على الدول الكبرى.

ويبرز هذا الأمر بوضوح في مجلس الأمن، حيث تمتلك الدول الخمس الدائمة العضوية حق النقض (الفيتو). ففي أي أزمة تمس المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة أو لروسيا أو الصين، يصبح الوصول إلى قرار دولي حاسم أمرًا بالغ الصعوبة. ولذلك، غالبًا ما تنتهي الاجتماعات إلى بيانات تدعو إلى ضبط النفس، دون إجراءات عملية قادرة على تغيير مسار الأحداث.

كما أن طبيعة الصراع الأميركي–الإيراني تزيد من تعقيد مهمة الأمم المتحدة. فالصراع لا يأخذ شكل حرب تقليدية بين دولتين، بل يقوم على العقوبات الاقتصادية، والردع العسكري، والعمليات غير المباشرة، والصراع السيبراني، والتنافس على النفوذ الإقليمي. وهذه الأدوات تجعل مساحة تدخل المنظمة الدولية أضيق، لأن كثيرًا من هذه الممارسات لا تقع ضمن الإطار التقليدي الذي أُنشئت الأمم المتحدة للتعامل معه.

ومن زاوية أخرى، يفسر الاتجاه البنيوي في الواقعية، كما طرحه كينيث والتز ، هذا العجز من خلال طبيعة النظام الدولي نفسه، الذي يقوم على غياب سلطة عليا فوق الدول. فالقوى الكبرى لا تتخلى عن أدوات قوتها لصالح المؤسسات الدولية عندما ترى أن مصالحها الحيوية مهددة، بل تستخدم هذه المؤسسات بما ينسجم مع استراتيجياتها، أو تتجاوزها عند الضرورة.

وقد انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على الشرق الأوسط، الذي أصبح الساحة الأكثر تأثرًا بالصراع الأميركي–الإيراني. فكل تصعيد بين الطرفين ينعكس على أمن المنطقة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي، كما يزيد من احتمالات توسع المواجهات غير المباشرة عبر حلفاء الطرفين في أكثر من دولة. وفي ظل غياب دور أممي فاعل، تتجه الدول الإقليمية إلى بناء تحالفات أمنية خاصة بها، أو إلى انتهاج سياسات ردع ذاتية، ما يعمّق حالة الاستقطاب ويزيد من هشاشة الأمن الإقليمي.

ولا يعني ذلك أن الأمم المتحدة غائبة بالكامل، فهي ما تزال تؤدي أدوارًا مهمة في المجال الإنساني، ورعاية بعض مسارات الحوار، وتقديم المساعدات، وإصدار التقارير المتعلقة بالقانون الدولي. غير أن هذه الأدوار تبقى محدودة عندما يتعلق الأمر بمنع التصعيد بين القوى الكبرى أو فرض تسويات سياسية ملزمة.

نستنتج، أن غياب الأمم المتحدة عن التأثير الحقيقي في الصراع الأميركي–الإيراني لا يعكس فشل المنظمة بقدر ما يعكس طبيعة النظام الدولي المعاصر، حيث تبقى موازين القوة العامل الحاسم في إدارة الأزمات. فطالما ظل التنافس بين القوى الكبرى يتقدم على منطق التعاون الدولي، ستبقى قدرة الأمم المتحدة على التدخل مرهونة بإرادة تلك القوى، وستظل منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق عرضة لتداعيات هذا الخلل البنيوي في النظام الدولي.