بين الكتاب والنّرجيلة.. فراغ من مسافة صفر

تموز 15, 2026 د. وداع وجيه حمادي 31 قراءة 1 دقائق قراءة

       لا يرغب أحد منّا أن يكون الصّفر رقمًا يلازمه، فالصّفر فراغ وغياب حتميّ لمقدّراتنا التي تسهم في خلق علاقاتنا مع البيئة المحيطة. وقد وُجد الإنسان في هذا الكون لغاية سامية ألا وهي إعمار الأرض بما هو أرقى وأرفع، ويكون الإعمار قائمًا على بنيان مرصوص متماسك، عماده الإنسان الّذي يسير في مركب الدّنيا على هدى، مستثمرًا وعيه وإدراكه.

    يبصر الإنسان النّور في عالمه، وتساعده فطرته على التّكيّف، ويحتاج بشكل مستمرّ إلى تطوير مهاراته، إذ إنّه يقف أمام الحياة بما فيها من مواقف وتجارب بين خيارين، إمّا أن يحرّك عجلاته ليتكيّف ويجعل من المواقف والتّجارب فرصة، أو أن يقف عند الشّاطىء منتظرًا، وتدور الأفلاك دورتها وهو على حاله، ما يسهم في ثباته على حال واحدة أمام تنوّع العوامل وتعدّد الظّروف، وهذا ما سيؤدّي حتمًا إلى جمود يستنزفه حدّ الجهل.

      لا شكّ في أنّ هذا الجمود لن يكون أثره سلبيًّا على الفرد فحسب، بل إنّ وباله واقع على المجتمع كلّه لا محالة، لأنّ الجمود المتفشّي في جماعة سينجم عنه افتقار بيئة هذه الجماعة إلى سلوك التّعزيز، وكثيرة هي المهارات الّتي يفتقدها مجتمعنا اليوم لأنّ تعزيزها غائب، لا سيّما مع تفاقم أزمة الفراغ، وانتشار المقاهي في كلّ ركن وزاوية، في القرية والمدينة على حدّ سواء، وقد أصبح البحث عن كرسيّ في مقهى جزءًا من الوعي الجمعيّ، وأصبح الأمر مرتبطًا بسلوك الجماعة أكثر من سلوك الأفراد.

      إنّ الولوج في هذه القضيّة على المستوى النّظريّ لأمر هيّن وسهل، ولكنّ الصّعوبة تكمن في السّؤال الّذي يطرح نفسه: أيّ إجراءات تتّخذ للحدّ من تفاقم هذه الظّاهرة؟ وهل يدرك الشّباب فعلًا خطورة الأمر؟ والجواب الّذي يفرض نفسه في مقابل هذا التّساؤل هو أنّ مسؤولًا في موقع المسؤوليّة لم يضع خطّة عمليّة لصون المجتمع بشكل جدّيّ من هذا الخطر الدّاهم كعتمة لا فجر بعدها، أضف إلى ذلك أنّ هناك ما يعدّ أكثر خطورة ألا وهو انعدام إدراك الخطر، أو على الأقلّ تهميش هذا الإدراك عن قصد أو عن غير قصد، والأمر سيّان.

       إنّ جولة واحدة في قرية ما أو في شارع معيّن في أيّ وقت من أوقات النّهار أو اللّيل تؤكّد للقاصي والدّاني من دون أدنى شكّ درجة الخطر لمن يدركه، وهو ما لا يحتاج تفسيرًا، إذ ليس فيه إبهام، فالأمر يتجلّى بلقائك مجموعات من الرّجال على مقاعدهم لساعات طويلة، النّرجيلة في يد، والهاتف في الأخرى، من غير مراعاة لإدارة الوقت، ثمّ إنّ كلمة من أحدهم تستطيع أن تشعل معركة، ذلك أنّ الذّكاء العاطفيّ مفقود، ما يُنتج بالتّالي انعدامًا لمهارة حلّ المشكلات، وهذا الجمود سينعكس سلبًا على الابتكار والإبداع.

    إنّ هذه المقاهي الّتي لا تحمل ترخيصًا قانونيًّا بغالبيّتها، تشرّع باب الفراغ لشباب لمّا يبلغوا الحلم، يساعد في ذلك إهمال غير مقبول من الأهل، إذ على عاتقهم تقع مسؤوليّة التّربية والتّوجيه، وعلى الرّغم من وجوب تحمّل المسؤوليّات إلّا أنّهم يتركون الأمر لمقهى صغير مكتظّ بتنوّع اجتماعيّ، يتعرّض فيه الشّباب لشتّى أنواع السّرديّات، وربّما المشكلات، ناهيك عن إدمان النّرجيلة، حتّى صار الواحد منهم يقصد المقهى بعد المدرسة قبل البيت، وهذا ما يؤدّي إلى ضياع الوقت وبالتّالي إهمال الدّروس، وإن كان الأمر يبدو عاديًّا إلّا أنّ خطورته تكمن في ترك الكتاب المدرسيّ، ما يعني أنّ الشّاب صار بعيدًا من الثّقافة والمعرفة، ذلك أنّ الكتاب الوحيد الّذي لا يزال ملزمًا به هو كتاب المدرسة لأنّه يحتاج العلامة كي ينجح، أمّا تحصيل الثّقافة من مصادر أخرى فهو أمر أشبه بالمستحيل، ففي واقع الأمر لم تترك تطبيقات الهاتف مجالًا ولو ضيّقًا لتحصيل الثّقافة من مصدرها الأقوى، ألا وهو المطالعة.

      إنّ المسافة بين الكتاب والنّرجيلة هي حتمًا مسافة صفر، فالحقيبة مرميّة قرب النّرجيلة، تظلّ مغلقة في كثير من الأحيان إلى اليوم التّالي، والمسافة بين الشّباب وازدهار المجتمع كالمسافة بين عصرنا والعصر الذّهبيّ، والمتاهة الّتي ندور فيها لا يبصرها مسؤول، وإن أبصرها فإنّه يتجاوزها إلى غير شأن، وإن دارت عجلة الزّمن لأنّ دورتها حتميّة لا مفرّ منها، إلّا أنّ عجلة الواقع المعيش تخنقها الحصى الّتي يتعثّر بها الأفراد، ومرّة بعد مرّة يخنق المجتمع نفسه، وبطبيعة الحال فإنّ المجتمع الّذي يعاني من الجمود سيتعرّض إلى التّلاشي، ومن الضّروريّ أن يستيقظ الغافل من غفلته قبل أن يسقط فلا يجد من يرفعه.