إن القراءة الفاحصة لمسار التحولات التاريخية والمعارك السيادية التي خاضها اليمن، تؤكد حقيقة راسخة لا تقبل الجدل، وهي أن القبيلة اليمنية كانت ولا تزال السند الأول، والركيزة الأساسية، والعمق الاستراتيجي الصلب للمشروع القرآني (المسيرة القرآنية). هذا التلاحم المصيري لم يكن نتاج تحالف سياسي مؤقت أو مصلحة عابرة، بل هو التقاء بنيوي واعٍ بين أصالة القبيلة وقيمها الضاربة في جذور التاريخ، وبين مبادئ المسيرة المستندة إلى القرآن الكريم كمصدر وحيد للعزة والكرامة ورفض التبعية والوصاية الخارجية.
إن طبيعة التلاحم بين القبيلة والمسيرة القرآنية تتجاوز المفهوم التقليدي للتحالفات؛ فقد تحولت القبيلة من كيان اجتماعي يواجه تحديات التفتيت، إلى قوة جهادية وسياسية وثقافية منظمة. لقد التقت “الهوية الإيمانية” للقبيلة اليمنية مع أدبيات المشروع القرآني في مشترك فكري وعملي يقوم على رفض الهيمنة والاستكبار، ونصرة المستضعفين، وحماية السيادة الوطنية. وتجسد هذا التلاحم عمليًا في أنبل الصور؛ بدءًا برفد الجبهات بالخزان البشري من المقاتلين الأشداء، مرارًا بتسيير قوافل الدعم والإسناد المستمرة، وصولًا إلى توقيع “وثيقة الشرف القبلي” التي أصلت للتماسك الاجتماعي ونبذ الاختراقات. ولم يقتصر الأمر على الجانب العسكري، بل امتد للأبعاد الاجتماعية عبر إنهاء النزاعات البينية وحل معضلات الثارات الثقيلة، لتحويل المجالس القبلية إلى منصات وعي وبناء أمة قادرة على مواجهة التحديات.
وفي قلب هذا التلاحم المتين، يبرز المبدأ الأهم الذي قامت عليه المسيرة القرآنية: وهو الاحترام المطلق لمؤسسة القبيلة ورجالها، وفي مقدمتهم المشايخ والوجهاء الأوفياء الذين ينصرون المظلوم، ويقيمون العدل، ويسعون لرفع الظلم وإصلاح ذات البين. إن هؤلاء المشايخ ليسوا مجرد رموز اجتماعية، بل هم شركاء حقيقيون في معركة البناء والاستقرار.
بناءً على ذلك، فإن العدالة والإنصاف هما المعيار الحاكم؛ ومن هذا المنطلق فإن كل من يحيد عن هذه المبادئ، أو يمارس التعسف، أو يتجاوز قيم نصرة المظلوم، أو يتعمد تهميش وإهانة الرموز القبلية النزيهة، فهو غريب عن المسيرة، وخارج عن مبادئها، ولا يمثلها بأي شكل من الأشكال.
إن استغلال النفوذ أو الإساءة للمجتمع من قِبل أي محسوب على هذا المشروع يعد خيانة علنية وجسيمة لتضحيات الشهداء الأبرار والمجاهدين العظماء الذين بذلوا أرواحهم رخيصة وجادوا بدمائهم الزكية في الميادين من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة المظلومين. ولذلك، يصبح من أوجب الواجبات وتأكيدًا على الوفاء لدماء الشهداء، تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة الصارمة، وإقصاء واستبعاد أولئك العابثين الذين يسيئون للمسيرة قبل غيرها، ليبقى هذا المشروع ناصعًا ومستندًا دائمًا إلى غايته الأولى: القرآن الكريم، وعزة الإنسان اليمني وكرامته.