تزامن تشييع الإمام السيد علي الخامنئي في إيران مع الذكرى المئتين والخمسين لإعلان استقلال الولايات المتحدة الأميركية. وقد بدا الحدثان وكأنهما يعكسان، في نظر كثيرين، رؤيتين مختلفتين للعالم، لكل منهما روايته التاريخية وقيمه السياسية وأولوياته.
في إيران، جاء التشييع مناسبة لتجديد الالتزام بخط الثورة الإسلامية التي انطلقت عام 1979 رافعة شعارات الاستقلال، ورفض الهيمنة الخارجية، والدفاع عن المستضعفين، ودعم قضايا التحرر، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ومن هذا المنطلق، لم يُنظر إلى التشييع بوصفه وداعًا لقائد فحسب، بل باعتباره تجديدًا للعهد مع مشروع سياسي وفكري يرى أن مواجهة الظلم والهيمنة تمثل جوهر رسالته.
وفي المقابل، احتفلت الولايات المتحدة بمرور 250 عامًا على إعلان استقلالها، وهي مناسبة تؤكد فيها الرواية الأميركية قيم الحرية والديمقراطية وبناء الدولة الحديثة. غير أن هذه المناسبة تستحضر أيضًا كيف نشأت هذه الدولة على دماء السكان الأصليين للقارة الأميركية، وما تعرض له الهنود الحمر من تهجير وإبادة، إضافة إلى حقبة العبودية التي استمرت لعقود قبل إلغائها، وما تركته من آثار اجتماعية وسياسية لا تزال موضع نقاش داخل المجتمع الأميركي حتى اليوم.
ولا يقتصر النقد على التاريخ البعيد، بل يمتد إلى السياسات الخارجية للولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة، على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية، فقد استخدمت الولايات المتحدة قوتها العسكرية والاقتصادية لفرض نفوذها في مناطق مختلفة من العالم، وخاضت حروبًا وتدخلات عسكرية أثارت جدلًا واسعًا، وأدت إلى سيطرة حكام وزعماء على بلادهم لم ترغب بهم شعوبهم، وأسوأ ما كان من الولايات المتحدة دعمها السياسي والعسكري المستمر لـ”إسرائيل” الذي يجعلها شريكًا في استمرار احتلال فلسطين وقتل الفلسطينيين، واحتلال أراضٍ لبنانية وسورية وعدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران.
من هنا، يبرز التناقض الدولتَين، دولة قامت على رفض التبعية، والدفاع عن الشعوب التي تواجه الاحتلال أو السيطرة السياسية الخارجية، ودولة هي نموذج القوة العالمية التي تستخدم نفوذها للحفاظ على نظام دولي يخدم مصالحها وحلفاءها.
ولا تتعلق المقارنة بحجم المناسبتين فحسب، بل بالرمزية التي يحملها كل منهما. فتشييع الإمام الخامنئي يعكس استمرارية مشروع دولة ترى أن الشرعية تُستمد من الوقوف إلى جانب المستضعفين ومواجهة الهيمنة، أما الاحتفال الأميركي فيتجاهل إرثًا تاريخيًا من الصراعات مع السكان الأصليين والاستعباد، إلى جانب سياسات خارجية ما زالت تدعم حلفاء متهمين بارتكاب انتهاكات، وفي مقدمتهم “إسرائيل”.
إن تزامن الحدثين يقدم صورة مكثفة عن صراع رؤيتين سياسيتين، الأولى تؤكد أن قوة الدولة تقاس بمدى تمسكها بالاستقلال ودعم قضايا الشعوب، والثانية ترى في القوة العسكرية والاقتصادية أساسًا لقيادة النظام الدولي. وبين هاتين الرؤيتين، يستمر الجدل حول أي نموذج سيكون أكثر قدرة على التأثير في مستقبل النظام العالمي خلال العقود المقبلة.