خلصت دراسة موسعة نشرتها مجلة فورين أفيرز إلى أن الحرب الأميركية -الإسرائيلية ضد إيران لم تحقق هدف إسقاط النظام، بل دفعت طهران إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والسياسية، وأدت إلى بروز نموذج جديد للحكم وصفه الباحثان بأنه أكثر براغماتية وقومية، مع استعداد لإعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط.
وترى الدراسة، التي أعدها الباحثان نرجس باجوغلي وولي نصر، أن التقديرات الأميركية والإسرائيلية التي سبقت الحرب، والتي انطلقت في شباط 2026، استندت إلى فرضية أن الضربات الجوية واغتيال القيادات سيدفعان إلى انهيار النظام من الداخل، إلا أن هذه الفرضية لم تتحقق، إذ احتفظت إيران بقدراتها العسكرية والصناعية، ولم تشهد انتفاضة شعبية رغم دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إسقاط النظام.
ووفقًا للدراسة، استغلت القيادة الإيرانية الحرب لتنفيذ أكبر عملية إعادة هيكلة لمؤسسات الدولة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، وشهدت انتقالًا فعليًا للسلطة إلى جيل جديد داخل الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، يقوده المرشد الجديد مجتبى الخامنئي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إلى جانب قادة عسكريين وإداريين تشكلت خبراتهم بعد الثورة الإيرانية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا الجيل يتبنى مقاربة أكثر قومية وبراغماتية، تركز على بناء الدولة وإدارة المصالح الوطنية أكثر من التركيز على تصدير الثورة والأيديولوجيا، معتبرة أن الفصل بين الثورة وإدارة الدولة أصبح أحد أبرز سمات المرحلة الجديدة.
وأضافت أن القيادة الإيرانية الجديدة بدأت تنظر إلى نقاط الضعف باعتبارها تحديات قابلة للمعالجة، وهو ما انعكس على إعادة تنظيم الجيش والحرس الثوري، وإنشاء هياكل قيادة أكثر مرونة تضمن استمرار عمل المؤسسات حتى في حال فقدان كبار القادة.
وفي الجانب العسكري، أوضحت الدراسة أن إيران استفادت من دروس حرب عام 2025، فعمدت إلى توزيع منصات إطلاق الصواريخ، وتطوير استخدام أسراب الطائرات المسيرة منخفضة الكلفة لاستنزاف الدفاعات الجوية الأميركية والإسرائيلية، وإجبارها على استهلاك مخزونها من الصواريخ الاعتراضية قبل تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف استراتيجية. كما أعادت تنظيم قواتها وفق نموذج أكثر مرونة يشبه حرب العصابات، بدلًا من الاعتماد على التشكيلات العسكرية التقليدية.
ورأت الدراسة أن أحد أبرز التحولات الاستراتيجية تمثل في السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، معتبرة أن قدرتها على التحكم بالممر البحري منحتها ورقة ردع جديدة وأسهمت في تكريس ما وصفته بتوازن قوى جديد، بعدما انتقلت الولايات المتحدة من الحرب الجوية إلى الحصار البحري. كما أشارت إلى أن القيادة الإيرانية باتت تنظر إلى المضيق باعتباره ركيزة اقتصادية مستقبلية عبر فرض رسوم على السفن العابرة، بدلًا من التعويل على رفع العقوبات الأميركية.
وفي الجانب الاقتصادي والدولي، ذكرت الدراسة أن الحرب دفعت إيران إلى تعزيز شراكتها مع الصين، بعدما توصلت القيادة الجديدة إلى قناعة بأن إعادة تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة لم تعد خيارًا واقعيًا، وأن بكين ستكون الشريك الرئيس في جهود إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.
أما على الصعيد الداخلي، فأشارت الدراسة إلى أن الحرب أحدثت تحولًا في العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ عززت الهجمات الأميركية والإسرائيلية الشعور القومي لدى شرائح واسعة من الإيرانيين، وانتقلت الأولوية، بحسب الدراسة، من الخلاف مع النظام إلى الدفاع عن البلاد.
وأضافت أن الحكومة بدأت تخفيف بعض القيود الاجتماعية، ومنها التشدد في فرض الحجاب، وسمحت بهامش أوسع لبعض الأنشطة العامة، في إطار مسعى لبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الكفاءة والدفاع عن الوطن أكثر من الاعتماد على الشرعية الدينية وحدها.
وترى الدراسة أن الجمهورية الإسلامية تتجه تدريجيًا نحو نموذج دولة قومية سلطوية أكثر من كونها دولة ثورية دينية، بحيث تصبح الهوية الوطنية الإيرانية معيارًا رئيسًا للولاء، مع استمرار القبضة الأمنية والتشدد في التعامل مع المعارضة الداخلية.
وفي السياسة الإقليمية، أكدت الدراسة أن طهران لا تعتزم التخلي عن حلفائها، وفي مقدمتهم حزب الله، والفصائل العراقية، والحوثيون، لكنها ستدير علاقاتها معهم وفق حسابات استراتيجية أكثر انضباطًا، باعتبارهم أدوات لتعزيز الأمن القومي الإيراني، وليس مجرد امتداد لمشروع أيديولوجي.
كما أشارت إلى أن القيادة الإيرانية الجديدة تنظر إلى التنسيق المتزامن بين هذه الأطراف باعتباره عنصرًا أساسيًا في أي مواجهة مستقبلية مع إسرائيل والولايات المتحدة، بعد استخلاصها أن تفكيك محور المقاومة جبهة بعد أخرى كان أحد أخطاء المرحلة السابقة.
وخلصت الدراسة إلى أن إيران لا تعتبر نفسها خرجت من الحرب ضعيفة أو مهزومة، بل ترى أنها نجحت في الصمود، وأعادت بناء مؤسساتها، ورسخت نفوذها الإقليمي، وأعادت صياغة رؤيتها للدولة والاقتصاد والتحالفات، بما يمهد، وفق تقدير الباحثين، لمرحلة إقليمية جديدة تقوم على تعدد مراكز القوة بدلًا من الهيمنة الأميركية المنفردة، وهي معادلة تعتزم طهران ترسيخها سياسيًا وعسكريًا خلال السنوات المقبلة.