حين تمشي الشمس خلف نعش رجل

تموز 3, 2026 د. أكرم شمص 51 قراءة 1 دقائق قراءة

ليست كل الجنائز سواء. فهناك جنازات يشيّع فيها الناس أجسادًا أنهكها العمر، وتنتهي الحكاية عند آخر حفنة تراب. وهناك جنازات يشيّع فيها التاريخ مرحلةً كاملة، وتبدأ الحكاية بعد الدفن لا قبله.

وغدًا، حين تنطلق مواكب الإمام الشهيد القائد السيد علي الخامنئي من طهران إلى قم، ومنها إلى النجف وكربلاء، قبل أن تستقر روحه الطاهرة في مشهد، لن يكون العالم أمام تشييع قائد سياسي، ولا حتى أمام وداع مرجع ديني كبير، بل سيكون أمام أحد أكبر المشاهد الرمزية في تاريخ الأمة الإسلامية المعاصر. لأن الذي يُحمل على الأكف ليس جسد رجل فقط بل مسيرة نصف قرن من الصبر والجهاد والفكر والدموع والدم.

كان الإمام الشهيد يعرف، كما عرف الامام الحسين عليه السلام قبله، أن الإنسان لا يختار دائمًا طريقة موته، لكنه يستطيع أن يختار الطريق الذي يموت من أجله. ولذلك عاش عمره كله وهو يطلب الشهادة، لا هربًا من الحياة، بل وفاءً للرسالة.

لم يكن يخشى الموت، بل كان يخشى أن يلقى الله وقد قصّر في نصرة مظلوم، أو سكت عن احتلال، أو تنازل عن حق، أو ساوم على كرامة أمة. ولهذا، لم يكن مشروعه السياسي منفصلًا عن مشروعه الإيماني. كان يرى أن القيادة تكليف قبل أن تكون سلطة، وأن الحاكم الحقيقي هو أول من يدفع ثمن المبادئ التي يدعو إليها.

غدًا، ستسير الملايين خلف نعشه، لكن الحقيقة أن الذين يسيرون خلفه ليسوا الإيرانيين وحدهم. سيكون في تلك المواكب شيء من فلسطين التي أحبها حتى آخر أنفاسه، وشيء من جنوب لبنان الذي رآه ينتصر عام 2000، ويصمد عام 2006، ويكتب بدماء شهدائه صفحة جديدة من تاريخ الأمة، وسيكون فيها شيء من بغداد وسامراء والنجف وكربلاء، وشيء من صنعاء، وشيء من كل أرض وقف فيها مستضعف وهو يشعر أن هناك رجلًا في طهران لم ينسه في دعائه ولا في قراره.

ليس غريبًا أن يمر نعشه بالنجف وكربلاء. فالنجف تمثل مدرسة العلم التي أنجبت الفقه المقاوم، وكربلاء تمثل المدرسة التي علمت البشرية أن الدم يستطيع أن ينتصر على السيف.

أما مشهد… فستكون حضنًا أخيرًا لرجل بدأ حياته في أزقّتها، وعاد إليها بعد أن قطع رحلة عمره بين السجون والثورة والحروب والقيادة، وكأن المدن الأربع لا تستقبل جسدًا… بل تستعيد ابنًا من أبنائها.

غدًا سيحمله الناس على أكتافهم، لكن الحقيقة أنه حملهم على كتفيه عشرات السنين. حمل همومهم،
وحمل أحزانهم، وحمل قضية فلسطين حين تخلّى عنها كثيرون، وحمل مشروع المقاومة حين كان العالم كله يراهن على سقوطه، وحمل حلم المستضعفين بأن العالم لا يُدار بقانون القوة وحدها.

وحين تتحرك الجنازة… لن تمشي الطرقات فقط. ستمشي معها الذاكرة. سيخرج من بين الصفوف رفاق السجون الذين سبقوه، وسيبتسم له الإمام المقدس روح الله الموسوي الخميني الذي قال يومًا: “أليس لديكم السيد الخامنئي؟”.

وسيكون الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، وقاسم سليماني، وعماد مغنية، وكل شهداء هذا الطريق، ينتظرونه عند نهاية الرحلة. فهذا الطريق لم يكن يومًا طريق أفراد، بل طريق قافلة، كلما وصل شهيد إلى نهايتها، بدأ آخَرُ المسير.

غدًا، ربما ستشرق الشمس كعادتها، لكنها في عيون محبيه ستكون مختلفة. سيشعرون أنها تستمد دفأها من رجل عاش لله، وأن السماء أكثر قربًا، وأن الريح تمشي ببطء احترامًا للنعش، وأن القمر، حين يحلّ ليلًا، سيضيء الطريق المؤدي إلى مشهد، كأنه يرافق زائرًا عاد أخيرًا إلى مدينته.

إنها ليست صورًا شعرية، بل هي لغة الشعوب حين تعجز الكلمات عن حمل الحزن.

سيقول البعض إن قائدًا قد مات، ولكن التاريخ لا ينظر إلى الأمر بهذه البساطة. فالرجال الذين يعيشون لأنفسهم يموتون مرة واحدة، أما الذين يعيشون لأممهم، فإن موتهم يتحول إلى ولادة جديدة لفكرتهم. ولهذا لم يكن الأعداء يخشون الرجل بقدر ما كانوا يخشون المدرسة التي بناها. مدرسة تؤمن بأن فلسطين ليست قضية شعب، بل قضية ضمير، وأن المستضعفين أمة واحدة، وأن الشهادة ليست نهاية الطريق، بل ضمانة بقائه.

حين يوارى الإمام الشهيد في ثرى مشهد، ستنتهي الرحلة الجغرافية، لكن الرحلة التاريخية ستبدأ من جديد، لأن الأفكار لا تُدفن، والنهج لا يُغتال، والرايات لا تسقط باستشهاد أصحابها.

وهكذا، سيبقى الإمام الشهيد علي الخامنئي حاضرًا، لا في ضريحه فقط، بل في كل مقاوم يرفض الاستسلام، وفي كل طفل فلسطيني يولد تحت الحصار، وفي كل أمّ لبنانية أو عراقية أو يمنية أو إيرانية تودّع ابنها وهي تؤمن أن الدم الذي يُبذل في سبيل الله لا يضيع.

وغدًا… لن تمشي الملايين خلف نعش رجل، بل سيمشي التاريخ خلف أحد رجاله الكبار، وسيعرف العالم مرة أخرى أن بعض الرجال، حين يرحلون، لا تبتلعهم الأرض، بل يرتفعون في ضمير الأمم، ليصبحوا جزءًا من ذاكرتها، ومن مستقبلها، ومن الطريق الذي لا ينتهي.