جنوب لبنان… معركة الصمود التي تستحق أن تُدرس

وسط الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافق الحرب الأخيرة على لبنان، طغت لغة الخسائر والدمار على كل ما عداها. امتلأت الشاشات بصور القرى المهدمة والشهداء والنازحين، وانشغل كثيرون بإحصاء الأثمان الباهظة التي دفعتها بيئة المقاومة وجنوب لبنان. غير أن الحروب لا تُقرأ فقط من زاوية الخسائر، بل أيضًا من زاوية ما جرى في الميدان، وكيف استطاعت القوى المتحاربة التعامل مع ظروف بدت في لحظات كثيرة أقرب إلى المستحيل.

فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كم كان حجم الدمار، بل كيف تمكنت المقاومة من مواصلة القتال بعد أكثر من خمسة عشر شهرًا من الاستهداف المتواصل، وفي ظل حصار جوي شبه كامل، وضربات أمنية وعسكرية غير مسبوقة، وتحولات إقليمية كبرى زادت من تعقيد المشهد؟

منذ الأيام الأولى للحرب، بدا واضحًا أن الرهان الإسرائيلي لم يكن يقتصر على توجيه ضربات عسكرية مؤلمة، بل كان يستهدف إحداث انهيار شامل في البنية القيادية والتنظيمية للمقاومة. جاءت الاغتيالات المتلاحقة، والاستهدافات الدقيقة، ومحاولات الاختراق الأمني المكثفة، في إطار سعي واضح لشل القدرة على المبادرة وإفقاد المقاومة قدرتها على إدارة المعركة.

لكن ما جرى لاحقًا كشف صورة مختلفة تمامًا. فبدلًا من الانهيار، ظهرت قدرة لافتة على امتصاص الصدمات وإعادة تنظيم الصفوف واستعادة زمام المبادرة. ومع مرور الوقت، بدأت مؤشرات التعافي تظهر تباعًا، سواء على مستوى القيادة أو الاتصالات أو الأداء الميداني.

ولعل أحد أبرز مظاهر هذا التعافي تمثل في إعادة تفعيل منظومات الاتصال والعمل الميداني في ظروف استثنائية، بالتوازي مع الحفاظ على قدر معقول من الحماية الأمنية رغم حجم الضغوط والاختراقات التي سعت إسرائيل إلى تحقيقها. وفي الحروب الحديثة، لا تقل أهمية القدرة على حماية البنية التنظيمية عن أهمية امتلاك السلاح نفسه.

أما في الميدان، فقد أثبتت المواجهات أن المقاومة لم تكتفِ بالدفاع أو امتصاص الضربات. فمع استمرار التوغلات الإسرائيلية في عدد من المناطق الحدودية، استمرت الاشتباكات والعمليات العسكرية، وبقيت جبهات عدة مشتعلة رغم التفوق الناري والتقني الهائل الذي امتلكه الجيش الإسرائيلي.

وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تعلن مرارًا أنها نجحت في تقليص القدرات الصاروخية للمقاومة، استمرت الصواريخ في الانطلاق حتى المراحل الأخيرة من المواجهة. كما شهدت المعركة إدخال وسائل قتالية جديدة، من بينها المسيّرات العاملة بالألياف الضوئية، التي تحولت إلى تحدٍّ حقيقي أمام واحدة من أكثر المؤسسات العسكرية تطورًا في العالم.

ولم تقتصر دلالات المعركة على استمرار القتال فحسب، بل شملت أيضًا القدرة على تنفيذ عمليات خلف الخطوط الحدودية، وإجبار القوات الإسرائيلية على التراجع من عدد من المواقع التي كانت قد تقدمت إليها. كما تكبد الجيش الإسرائيلي خسائر بشرية ومادية بارزة، شملت ضباطًا وجنودًا وآليات ودبابات، في مشهد يناقض الصورة التي حاولت تل أبيب ترسيخها عن حرب محسومة النتائج.

وربما تكمن إحدى أهم دلالات هذه المواجهة في أن جزءًا كبيرًا من العمليات نُفذ في بيئة قتالية شديدة التعقيد، يعتبرها العديد من الخبراء العسكريين من أصعب البيئات العملياتية في الحروب الحديثة. فالعمل القتالي تحت مراقبة جوية دائمة، وفي ظل تفوق استخباري وتقني للخصم، يفرض تحديات هائلة على أي قوة عسكرية مهما بلغت إمكاناتها.

لهذا كله، تبدو هذه التجربة أبعد من مجرد محطة عسكرية عابرة. فهي تجربة تستحق الدراسة والتمحيص، ليس فقط بسبب نتائجها المباشرة، بل أيضًا بسبب ما أظهرته من قدرة على التكيف والمناورة والصمود في ظروف استثنائية.

ولعل ما يثير الاستغراب اليوم هو هذا التردد لدى البعض في الحديث عن هذه الوقائع، وكأن الاعتراف بحجم التضحيات يقتضي تجاهل ما تحقق في الميدان. والحال أن الأمرين لا يتناقضان. فالاعتراف بالخسائر لا يلغي قراءة عناصر القوة، كما أن الحديث عن الإنجازات لا ينتقص من حجم الآلام التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب.

لقد دفع الجنوب أثمانًا باهظة، وقدم تضحيات جسامًا، لكن تلك التضحيات لم تكن مجرد أرقام تضاف إلى سجل الحروب. إنها جزء من قصة صمود طويلة، ستبقى حاضرة في الذاكرة اللبنانية والعربية، وستظل مادة للبحث والدراسة لدى المؤرخين والعسكريين لسنوات طويلة. فبعض المعارك تُحسم بالنتائج المباشرة، أما بعضها الآخر فيُقاس بما يكشفه من إرادة وقدرة على الصمود في وجه أكثر الظروف قسوة، وهذه واحدة منها.

تنويه: الآراء الواردة في المقالات الخاصة لا تعبر بالضرورة عن موقف إدارة الموقع.

التعليقات مغلقة.