الهولوكوست السوري… قراءة في سردية الإبادة

هذا المقال موجّه إلى الإخوة السوريين، وعموم العرب والمسلمين، وهو ليس استجداءَ نصرةٍ، إنما حرصًا عليهم، على ما يتبنّون من مواقف، سيُسألون عنها يومًا ما، وهو آتٍ على أي حال.

إبّان الحرب العالمية الثانية، فتك الجميع بالجميع، والكولوسيوم الأكبر كان في أوروبا، ونتيجة المعركة، الحلفاء منتصرون، وهتلر ومحوره النازي أصبحوا رمز الإجرام والتطرّف والقتل. ولو انتصر الأخير، لأُلصقت هذه التهم بقادة الحلفاء، ولتعرّفنا على مصطلحات جديدة تقارب مفهوم التوحّش، كالتشرشلية، والديغولية، والروزفلتية، وغيرها.

المهم، من جملة ما ارتكبه النظام النازي، وفق البروباغندا اليهودية، مجازر بحق اليهود، حيث تردّد أن إجمالي القتلى بلغ 6 ملايين، وما يقارب الـ 4.000.000 منهم في مدينة أوشفيتز البولندية، وتمّت تصفيتهم بغرف الغاز والأفران، و… وقد وُضع نصبٌ تذكاري لضحايا المجزرة في هذه المدينة.

وفي مراجعة تاريخية لروبرت فوريسون، أثبت الأخير عدم وجود أدلة تقنية أو كيميائية تفيد استخدام غرف الغاز والأفران للإبادة الجماعية الممنهجة، وأن الوفيات الكبيرة كانت بسبب الأوبئة العديدة والمجاعة في أواخر الحرب، وأن الرقم المتداول مبالغ فيه، بدليل أن السلطات في بولندا عدّلت الرقم على النصب التذكاري من 4 ملايين إلى 1.1 مليون، وهم خليط من اليهود والغجر وأسرى سوفييت ومعارضون وشهود يهوه وغيرهم، وقد تبنّى الفيلسوف روجيه غارودي هذا الرأي في كتابه الشهير “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”، وكان هذا الكتاب العلمي والمرجعي سببًا في اضطهاد غارودي ومحاكمته وملاحقته وتغريمه.

سردية الهولوكوست اليهودية، بصورتها المضخّمة والمزيّفة، استغلّتها اليهودية الصهيونية لتضع نفسها في موضع المظلوم والمضطهد الذي يجب أن ينصره العالم ليظلم شعبًا آخر، وأمةً أخرى، وهذا ما جرى ويجري.

سردية الهولوكوست السورية تشبه إلى حدٍّ بعيد تلك التي لليهودية، النظام السابق وحلفاؤه من الشيعة قتلوا الملايين، وارتكبوا الإبادات بالكيميائي والبراميل المتفجرة والمكابس، ودعمت هذه السردية وسائل إعلام عربية وغربية هدفت إلى إسقاط النظام وإقصاء سوريا من حلبة الصراع مع “إسرائيل” لصالح “إسرائيل”، ولاقى الخطاب انتشارًا واسعًا لأسباب عديدة، أهمها العزف على وتر الخلاف الطائفي، إضافة إلى القدرات الإعلامية الهائلة لهذه الوسائل، والأموال الطائلة لجماعة البترودولار الذين استطاعوا شراء الكثيرين، للأسف. ورغم ما لديهم من أموال وقوات وسلاح، لم نرهم يومًا في ميدان يستنقذون فيه أحدًا من الأمة، بل أين تجد أميركا، وبالتالي الصهاينة، تجدهم.

فلنشرح القضية علميًا، ونسقطها من مسرح التضليل وبروباغندا الادّعاء، ولتأخذ منحاها المنطقي، دون تحيّز، بغية استنقاذ جمهور واسع انحرفت بوصلة عداوته إلى الشيعي، حتى بات أخذه إلى تحالف مع المستعمر، والقاتل والمجرم بحق الإنسانية، مسألة عادية وبسيطة، ولأننا في لحظة مفصلية تفرض على الجميع اتخاذ موقف لله وللتاريخ، أقول، وأُشهد الله على ما أقول:

بدأت الأزمة بمطالب محقّة، وانطلقت بعض المظاهرات، وعمل النظام السابق على تطويقها دون تداعيات حربية، ولكن دخلت مجموعات على الخط لإشعال الفتنة، أفراد مشبوهون من الطرفين يطلقون النار ويقتلون أبرياء، والحرص أن يبدأ المشبوهون وكأنهم من أفراد النظام. قد يعتقد البعض أن هذا السيناريو خيالي، ولكنه اعتُمد في الكثير من الثورات الملوّنة، والمجموعات الأناركية التي تُدرّب على الاستفزاز، أكبر مثال.

ذهبت الأزمة إلى العسكرة بشكلٍ فعلي، مع أولى عمليات اغتيال لنخب علمية في أيلول/ سبتمبر 2011، وهم أساتذة جامعيون مرموقون في جامعات ومشافي حمص، وعمليات ممنهجة لاغتيال كوادر مختلفة على امتداد الأراضي السورية، حتى من الذين ليس لهم علاقة عضوية بالنظام، أو من يُسمّون بالتكنوقراط.

لم يتدخل حزب الله ولا إيران في الأحداث إلا بوساطات سياسية وأخلاقية لمنع ذهاب الأمور إلى التدهور، ولكن محاولاتهما باءت بالفشل، لأسباب تتعلق بالقرار المتخذ لإسقاط النظام وتدمير سوريا، والذي بانت ملامحه واضحة.

تدخل حزب الله وإيران في الحرب بعد أن استنفدا كل محاولات تقريب وجهات النظر، وبعد أن تعسكر الحراك وظهرت النوايا جلية، وأبرزها إزالة سوريا عن خارطة الصراع مع العدو الصهيوني، وتدمير قدراتها، وتحويلها إلى شريك للأميركي والإسرائيلي ودول الخليج المتأمركة، وقطع الشريان من إيران إلى فلسطين، وتصفية كل حلفاء جبهة المقاومة في سوريا تحت عناوين الحرب الطائفية، علمًا أن عمليات القتل أظهرت أن كل مناصري الجبهة استُهدفوا بمعزل عن دينهم وطائفتهم.

كانت الجهات الأصولية والتكفيرية جاهزة للتدخل، وقد صرّحت مرارًا وتكرارًا عن أهدافها بتصفية الطوائف غير السنية وإقامة حكم الخلافة، وأنها ستنتقل إلى لبنان لإكمال المهمة، وبرز كتاب “إدارة التوحش” لأبي بكر ناجي الذي حدّد استراتيجية عمل الحركات الأصولية التكفيرية، وعلى رأسها داعش والنصرة، وترافق ذلك مع سلوكيات إجرامية واضحة كالذبح والسبي والتفجير وسط المدنيين وقتل خصوم الرأي.

لست أبرّئ النظام من أي مثلبة، ولكن لا بد من الإنصاف في مقاربة أي ظاهرة، والأرقام والوقائع تعطيه حقه، خصوصًا بعد سقوط هذا النظام، وانكشاف حقيقة الخديعة، وأن ما جرى هو فعلًا لإخراج سوريا من حلبة الصراع خدمةً للأميركي والإسرائيلي، وها هي الآن في المحور الأميركي (راجع كتابًا من كتب كثيرة، مثلًا: “فرنسا والناتو في سوريا، التضليل الكبير” للكاتب رولان هيرو الفرنسي)، ولكن ضعيفة وفقيرة ومستنزفة، بعد أن سمحت للأميركي بالتدخل والسيطرة، وللإسرائيلي بتدمير القدرات العسكرية الهائلة، وفق سرديات مضللة، وعلى رأسها أن الأسلحة للنظام السابق، وكأن الشعب لم يدفع تكاليف هذه الأسلحة التي تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات، فترك البلد فريسة سهلة للعربدة والتوسع الإسرائيلي.

في إطلالة على الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة OHCHR والمرصد السوري لحقوق الإنسان والشبكة السورية لحقوق الإنسان، تُقدّر كل جهة رقمًا بناءً على مصادرها، وهذه الجهات لم تتبع للنظام السابق، وهي مستقلة، بل إنها، وبالمجمل، أقرب للمعارضة:
o الأمم المتحدة تُقدّر عدد الضحايا بـ 350.000، وتعتمد على المتحقق منها بالأسماء والتواريخ.
o المرصد السوري لحقوق الإنسان يُقدّر عدد الضحايا بـ 582.000، يشمل هذا الرقم المقاتلين والمدنيين.
o الشبكة السورية لحقوق الإنسان تُقدّر عدد الضحايا بـ 230.000، وتركّز على المدنيين خارج إطار المعارك.

سأتناول تقرير المرصد السوري لحقوق الإنسان، لأنه يُقدّر الرقم الأعلى، ونقرأ توزيع الضحايا على الاتجاهات السياسية والمناطقية قراءةً تحليليةً موضوعية:
o قوات النظام السابق والمسلحون الموالون: 200.000 ضحية، ويُقصد بالمسلحين الموالين قوات الدفاع الشعبي، وهم مدنيون تطوّعوا لمساندة النظام، حزب الله، جهات أخرى.
o المعارضة المسلحة والفصائل: 100.000، وتشمل الجيش السوري الحر وفصائل حليفة له.
o المعارضة التكفيرية، وعلى رأسها داعش والنصرة (التي أصبحت هيئة تحرير الشام): 90.000.
o قوات سوريا الديمقراطية: 15.000، سقطوا بمعظمهم في مواجهات مع داعش، والنسبة الأقل ضد الجيش التركي وفصائل موالية له، فالأكراد لم يدخلوا في صراع مع النظام السابق.
o مدنيون: 162.000، مع الإشارة إلى أن جزءًا يُعتدّ به من المدنيين كان من فصائل المعارضة، وسُجّل على أنه مدني لأسباب تتعلق بطبيعة الصراع، فالمعارضة حاولت جاهدة خلق سردية أن النظام يستهدف المدنيين ويُبيدهم، كما أنه لا لوائح تُحصي المقاتلين باللباس المدني، على عكس القوات النظامية وقوات اللجان الشعبية المنظمة.
o تتوزع أرقام القتلى والضحايا على المناطق وفق نسب، أعلاها في دمشق (مركز النظام)، ثم حلب، فحمص، فإدلب، فحماة، فالمناطق الأخرى.

في قراءة تحليلية موضوعية للأرقام، يتبيّن لنا ما يلي:
o العدد الأكبر من الضحايا هم من الجيش السوري والموالين، والتكلفة عليهم هي الأشد.
o النسبة الأكبر للضحايا هي في دمشق وريفها، مركز النظام وهدف المعارضة الأساسي.
o القتلى من المعارضة ليسوا فقط في مواجهات مع الجيش السوري، بل أيضًا في معارك مع قسد، ومعارك بينية موثقة في أرشيف الأزمة، وقد عايشناها.
o لا علاقة للنظام بضحايا قسد.
o الضحايا المدنيون موزعون بين مدنيين حقيقةً وقوات بلباس مدني، ولم نستطع تحصيل الرقم الدقيق أو النسبة، ولكنها لا تقل عن 15% وفق مصادر.
o الضحايا المدنيون كانوا موزعين على مناطق سيطرة النظام والمعارضة، فلا يتحمل النظام كل المسؤولية عن مقتلهم.
o تتوزع نسب الانتماء الديني والطائفي على كل طوائف سوريا دون استثناء، وإن كانت النسبة الأكبر من الإخوة السنة، وهذا طبيعي لأن أغلبية الشعب السوري الكريم من الطائفة السنية، وكما سقط من السنة من مناطق سيطرت عليها المعارضة، فإن الرقم لا يقل عنه في مناطق سيطرة الموالاة.

كلمة أخيرة
إن المطلوب من السوريين الآن الخروج من البروباغندا التي أرستها دول التحالف الأميركي الصهيوني، والتي تعزف على وتر التفرقة الطائفية لتثبيت فكرة مغلوطة أن النظام وحلفاءه من الشيعة قتلوا مليوني سني في سوريا، ويلاقيه مشايخ الإسلام المتصهينون ليُبعدوا كل سني عن نصرة أخيه الشيعي في معركة تحرير فلسطين والأمة.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.