مناورة اصطياد التنين.. كيف أشعلت أمريكا النيران حول العملاق الصيني؟

صباح السبت 28 فبراير 2026، وبالتزامن مع “عيد المساخر” اليهودي، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران، أُطلق عليها اسم “الغضب الملحمي”، وصف الاسم لاحقًا، بأنه جيد جدًا، بهدف معلن هو إسقاط النظام الإيراني، بعد قتل رجال الصف الأول فيه، وعلى رأسهم المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي.

اليوم، وبعد شهر كامل من بدء العمليات، ومع توسع ساحة المعركة، وصمود الإدارة الإيرانية، بل وتمكنها من تكبيد العدوان خسائر بشرية، وإسقاط طائرات أمريكية للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، فضلًا عن تحول المعركة إلى حرب اقتصادية، تمسك إيران بزمامها حتى اللحظة، بات ممكنًا وربما ضروريًا، إعادة قراءة المشهد.

إذ يمكن النظر إلى الحرب على إيران بوصفها جزءًا من معركة أوسع بين الولايات المتحدة وحلفائها، وجهة مقابلة من المنافسين الدوليين، حيث تعد الحرب أداة ضمن استراتيجية أمريكية أوسع لاحتواء الصين عبر تعطيل شراكاتها الحيوية ومصالحها في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق الأوسع، يبرز جانب آخر من الصراع بين الصين والولايات المتحدة، حيث يقبع “التنين الصيني” خلف البحر الأصفر، يناور اليابان وكوريا الجنوبية اقتصاديًا وعسكريًا، متجنبًا حتى الآن الدخول في مواجهة مباشرة مع حلفاء الولايات المتحدة وأوروبا.

الاستراتيجية الأمريكية واحتواء الصين .. حرب باردة جديدة
وقد تحددت أطر الصراع مع بكين منذ أواخر العقد الماضي، حين أعادت واشنطن تعريف أولوياتها الاستراتيجية، ولم تعد “الحرب على الإرهاب” في صدارة المشهد، بل حل محلها التنافس مع الصين كتهديد طويل الأمد.

واتصالًا بذلك، أعلن ترامب في نوفمبر 2025 عن استراتيجية الأمن الأمريكي، مطبوعة في ثلاث وثلاثين صفحة، لتكون الركيزة الأساس للسياسة الخارجية، ووصفها بأنها خارطة طريق لضمان بقاء الولايات المتحدة أعظم دولة في التاريخ البشري وأنجحها.

وجاء في الوثيقة نصًا: “هدفنا بسيط: منع أي جهة، بما فيها الصين، من الهيمنة علينا أو على حلفائنا”.

ويرتبط ذلك مباشرة بمواجهة الصعود الصيني، حيث تعمل بكين على توسيع نفوذها الاقتصادي عبر مشروع ضخم، هو مبادرة الحزام والطريق، الذي يمتد من آسيا والشرق الأوسط وصولًا إلى أوروبا.

وبين الرؤيتين تقع إيران، كونها أكبر مورد نفط للصين، فضلًا عن كونها “عقدة أساسية” في هذه المبادرة، التي تشمل أكثر من 65 دولة، وتغطي نحو 65% من سكان العالم و40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

في المقابل، لا تنظر واشنطن إلى المبادرة باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا بحتًا، بل كأداة جيو سياسية تهدف إلى إعادة تشكيل النظام العالمي لصالح الصين .

الحرب الباردة الجديدة
في هذا الإطار، شهدت المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، التي توصف بـ”حرب باردة جديدة”، تصعيدًا شاملًا يتجاوز الرسوم الجمركية إلى صراع تكنولوجي واقتصادي وجيو سياسي لتعزيز النفوذ العالمي.

وتتجسد الملامح الرئيسية لهذه المواجهة في قيود تقنية مشددة على أشباه الموصلات ضمن حروب تجارية مستمرة، إلى جانب سباق تسلح عسكري في منطقة الإندوباسيفيك، التي تشمل المحيطين الهندي والهادئ، بوصفها مركز الثقل الاقتصادي والعسكري العالمي، ما يجعلها ساحة تنافس بين القوى العظمى.

وقد شكلت الولايات المتحدة فيها تحالفات مثل “أوكوس“؛ بهدف مواجهة التحديات الأمنية، وتشمل الاتفاقية بين الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا تبادل المعلومات والتقنيات، في مجالات بينها الاستخبارات والحوسبة الكمية. غير تزويد أستراليا بأسلحة، وإنشاء أسطول من الغواصات العاملة بالطاقة النووية، مع التخطيط؛ لتوسيع التحالف بانضمام حلفاء مثل كوريا الجنوبية واليابان.

الصين في الشرق الأوسط
وعلى صعيد تجليات هذا الصراع في منطقة الشرق الأوسط، يمكن رصد آليات احتواء نفوذ الصين عبر عدة مسارات، تشمل الطاقة، وإبقاء الوجود العسكري، واستنزاف إيران بوصفها شريكًا رئيسيًا لبكين.

إذ يؤدي تعطيل إمدادات الطاقة وحالة عدم الاستقرار في الخليج إلى رفع أسعار النفط، ما يهدد إمدادات الصين التي تعتمد بنسبة تتراوح بين 40- 50% على نفط الشرق الأوسط.

وثانيًا، تحاول واشنطن إعاقة مبادرة الحزام والطريق عبر توتير الممرات البرية وتعطيل الاستثمارات الصينية الضخمة فيها.

وثالثًا، يسهم استنزاف إيران عبر الحرب، وقبلها العقوبات الاقتصادية في إضعاف قدرتها على أن تكون شريكًا قويًا للصين.

وأخيرًا، يشكل ملف السيطرة على ممرات الطاقة مبررًا لإبقاء الوجود العسكري الأمريكي في الأردن والبحرين والسعودية والإمارات

تنافس متعدد الساحات
ولا يقتصر التنافس الأمريكي الصيني على الشرق الأوسط، بل يمتد عبر الاقتصاد والجغرافيا وخرائط التحالفات.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمحلل الاستراتيجي الروسي ألكسندر نازروف: “الحرب حتمية، وأعتقد أن الحرب في إيران ستتصاعد خلال الأشهر القليلة المقبلة؛ لتتحول إلى معركة فاصلة بين الصين والولايات المتحدة… فقد أدى إغلاق مضيق هرمز إلى عجز عالمي هائل في الطاقة”.

ويفسر ذلك استنادًا إلى الأرقام، مشيرًا إلى أن الصين تستهدف مضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، مقارنة بعام 2020، في ظل فجوة قائمة مع الولايات المتحدة، والتي يبلغ فيها نصيب الفرد 92883 دولارا، بينما يبلغ في الصين 14730.

وبينما يتخلف الصينيون عن الأمريكيين بمقدار 6.3 أضعاف من حيث الناتج المحلي، فإنهم يتخلفون عنهم بمقدر 2- 3 ضعفا من حيث مستوى المعيشة الحقيقي: أي استهلاك الموارد.

وفي حال إذا ارتفع مستوى المعيشة في الصين إلى مستوي الولايات المتحدة، فإن مستوى المعيشة في أوروبا والولايات المتحدة سينخفض.

ويخلص إلى أن موارد العالم لا تكفي سوى لـ”مليار ذهبي” واحد، في إشارة إلى حدود النمو العالمي والتنافس على الموارد.

عن موقع روسيا في ملف الصراع
لا يمكن وصف روسيا بأنها قائد للمحور المناهض للغرب، كما أنها ليست تابعًا للصين، بل يمكن اعتبارها قوة مراجِعة، تسعى لإعادة تشكيل التوازن الدولي، وتستخدم الشرق الأوسط وإيران تحديدًا كأداة ضمن هذا الهدف.

ورغم عدم وجود تحالف عسكري رسمي، فإن روسيا والصين وقعتا عام 2022 “شراكة استراتيجية بلا حدود”.

وبذلك يبدو المشهد أكثر تعقيدًا، حيث تسعى الولايات المتحدة لاحتواء الصين، وتمثل إيران إحدى ساحات هذا الاحتواء، بينما تعمل روسيا على تعقيد التفاعلات داخل هذا الصراع.

الصين كلاعب حذر في الحرب مع إيران
في هذا المشهد المعقد، يصعب الجزم بأدوار الصين وسيناريوهات تحركها، إلا أن المعلن يشير إلى تمسكها باستراتيجية “الاستقرار أولًا”.

فلا توجد قواعد عسكرية صينية في المنطقة، إذ يركز الصينيون على البعد الاقتصادي، من خلال منع انهيار إيران اقتصاديًا عبر استمرار شراء النفط، واستخدام شبكات مالية غير غربية، وتوسيع استخدام اليوان الصيني كعملة بديلة، إلى جانب توفير غطاء سياسي نسبي، يدعو إلى خفض التصعيد ورفض الضغوط الأمريكية.

كما وقعت الصين مع إيران عام 2021 اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية، ودمجتها في أطر آسيوية مثل منظمة شنغهاي، بما يعزز عمقها الاستراتيجي ويقلل عزلة طهران.

هل دعمت الصين إيران عسكريًا؟
منذ بدء المواجهات، ترددت أنباء عن دعم عسكري صيني لإيران، إلا أن المعطيات المعلنة تشير إلى عدم وجود دعم مباشر.

فلم ترسل الصين قوات، ولم تنشئ قواعد عسكرية، ولم تكسر العقوبات بشكل علني، ورغم وجود مؤشرات على استخدام إيران تكنولوجيا صينية في الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي، لا يوجد دليل موثوق على تقديم هذا الدعم خلال الحرب الجارية بشكل مباشر وعلني.

غير أن هناك تقارير غربية تفيد باستخدام إيران رادارات صينية مثل YLC-8B، وJY-26، المضادة للطائرات، وقد تكون عنصرا في إسقاط طائرة من نوع 35f.

وتقارير أخرى، تكشف عن “احتماليات” امتلاك إيران أنظمة مثل HQ -9B مكافئ تقريبي لـS -300 “الروسي”هذا بجانب دعم تقني واستخباراتي في الرصد والاستشعار وأنظمة الملاحة BeiDou الصينية من أجل التخلي عن جوجل مابس الأمريكي.

لا شيء مؤكد، لكن هناك تحليلات الخبراء حول وجود تعزيزات وتحديثات لأنظمة الرادارات، ضمن دعم تقني.

بموازاة حرب الشرق الأوسط: تحركات في البحر الأصفر
وفي موازاة الحرب على إيران، يظل السؤال قائمًا: هل توظف الصين انشغال الولايات المتحدة في إيران؛ لتحقيق مكاسب في محيطها، والعمل على تقوية ساحتها مع الخصوم كوريا الجنوبية واليابان .

حتى الآن، يبدو أن بكين تواصل سياسة “النفس الطويل”، عبر تصعيد تدريجي محدود، مثل زيادة الطلعات الجوية وعبور الخط الأوسط في مضيق تايوان، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

المواجهة المحتملة
في المحصلة، ما يحدث في الإقليم وحرب إيران، يمثل جزءًا من مسار التنافس متعدد الساحات بين الولايات المتحدة والصين، ويعبر عن تنافس بين قطب أمريكي مهيمن، وقطب صيني صاعد.

كما لا يمكن فصل الحرب عن استراتيجية أمريكية أوسع لاحتواء الصين، وبروز التنافس في ضوء أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية مصحوبة بتنافس حاد، سيتأثر به الشرق الأوسط بحكم موقعه الاستراتيجي، لا لكونه طرفًا مباشرًا.

وفي هذا السياق، يصبح على مصر والدول العربية اتباع سياسات توازن ذكية، وتجنب الانخراط في الاستقطاب، للحد من التأثيرات الاقتصادية والاستراتيجية، مع تعزيز التعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة.

هلي رزق – مصر 360

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.