انكشاف الخلل: عندما تبني “إسرائيل” اقتصادها على سيناريو أمني خاطئ

تكشف المعطيات الصادرة عن موقع “ذي ماركر” الاقتصادي عن خلل بنيوي عميق في آلية صنع القرار الاقتصادي في “إسرائيل”، حيث تبيّن أن التوقعات التي بُنيت عليها ميزانية 2026 استندت إلى سيناريو أمني لم يعد قائماً، بل ثبتت عدم دقته مع تطور مجريات الحرب واتساع رقعتها.

في جوهر الأزمة، تعترف مصادر في وزارة المالية بأن تقديرات النمو والعجز صيغت على أساس افتراض مواجهة محدودة وقصيرة، سواء مع إيران أو على الجبهة الشمالية مع حزب الله. غير أن الواقع الميداني سرعان ما تجاوز هذه الفرضيات، ليدخل الكيان في مسار تصعيدي مفتوح، يفرض أثماناً اقتصادية متزايدة ويقوّض الأسس التي قامت عليها الميزانية.

هذا الاعتراف لا يعبّر فقط عن خطأ تقديري عابر، بل يكشف عن فجوة عميقة بين المؤسستين السياسية والأمنية من جهة، والمؤسسة الاقتصادية من جهة أخرى. فوزارة المالية، التي يفترض أن تبني سياساتها على معطيات دقيقة، وجدت نفسها تعتمد على “سيناريو مرجعي” قدّمته الجهات السياسية، تبيّن لاحقاً أنه أقرب إلى التمنيات منه إلى التقدير الواقعي.

في الأيام الأولى للمواجهة، سادت حالة من التفاؤل انعكست على الأسواق المالية، حيث ارتفعت المؤشرات وتعزز الشيكل، فيما بدا أن “إسرائيل” مقبلة على مكاسب جيوسياسية. إلا أن هذه “النشوة” سرعان ما تبددت مع اتساع نطاق العمليات، خصوصاً في الشمال، ودخول المواجهة مع حزب الله مرحلة أكثر تعقيداً، مع الحديث عن احتمال تنفيذ عملية برية.

اقتصادياً، بدأت التداعيات تظهر بوضوح. فقد اضطرت وزارة المالية إلى خفض توقعات النمو لعام 2026، وسط تقديرات بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى أضرار أعمق، لا سيما مع التعبئة الواسعة لقوات الاحتياط التي تجاوزت بكثير ما كان متوقعاً. ويضاف إلى ذلك تعطّل قطاعات حيوية مثل التعليم وسوق العمل، ما يفاقم من كلفة الحرب على الاقتصاد.

في المقابل، تتصاعد مطالب المؤسسة الأمنية بزيادة الإنفاق العسكري، في مسار يحذّر منه اقتصاديون داخل الوزارة نفسها، الذين يرون أن “إسرائيل” قد تكون بصدد العودة إلى ما يشبه “عقداً ضائعاً”، حيث لا سقف لميزانية الأمن، على حساب الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي.

اللافت أن الانتقادات لم تعد محصورة داخل أروقة الوزارة، بل امتدت إلى محللين اقتصاديين بارزين، اعتبروا أن التقديرات الرسمية متفائلة أكثر من اللازم، وأن العجز مرشح للارتفاع إلى مستويات تتجاوز ما هو معلن. بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن الزيادات المقررة في ميزانية الأمن قد لا تكفي سوى لفترة قصيرة جداً من العمليات، ما يفتح الباب أمام ضغوط مالية إضافية.

في ضوء ذلك، تبدو “إسرائيل” أمام مفترق حاسم: إما إعادة بناء تقديراتها الاقتصادية على أساس واقعي يتناسب مع مسار الحرب المفتوحة، أو الاستمرار في إدارة الأزمة بعقلية قصيرة المدى، ما قد يؤدي إلى اختلالات أعمق في بنية الاقتصاد.

في الخلاصة، لا تكمن المشكلة في خطأ التقدير بحد ذاته، بل في اعتماد هذا الخطأ كأساس لصياغة سياسات مالية كبرى. وعندما تصبح الفرضيات الأمنية غير دقيقة، فإن كل ما يُبنى عليها–من نمو وعجز وإنفاق–يصبح عرضة للانهيار، في لحظة تتطلب أعلى درجات الواقعية والدقة في اتخاذ القرار.

النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.