بين الكيان والوطن: سؤال الانتماء وحدود الهوية
في لحظات التوتر والانقسام، يتحوّل السؤال البديهي إلى معضلة وجودية: من أنت؟ ولمن تنتمي؟ حين يدفعك الخطاب الكياني الانعزالي إلى أن تثبت أنك “لبناني” بما ينسجم مع تعريف ضيّق للكيان، تصبح الهوية عبئاً بدل أن تكون انتماءً طبيعياً. هنا لا يعود الأمر مجرّد توصيف إداري أو جغرافي، بل يتحوّل إلى امتحان ولاء، وكأن الإنسان مطالب بأن يبرّر جذوره، وتاريخه، وامتداده الحضاري.
لكن هل الكيان هو الوطن؟ وهل الوطن يُختزل في حدود رسمتها خرائط السياسة الدولية، أم أنه أوسع من ذلك، يمتد في الذاكرة والتاريخ والثقافة؟ هذه الأسئلة تفتح باباً لنقد عميق لفكرة اختزال الانتماء في إطار سياسي ضيّق، خصوصاً حين يكون هذا الإطار نفسه نتاج ظروف تاريخية معقّدة، لا تعبّر بالضرورة عن العمق الحقيقي للشعوب.
لقد نشأت الكيانات الحديثة في منطقتنا ضمن سياقات معروفة، وكان الهدف منها في كثير من الأحيان إدارة التنوّع وضبطه، لا إطلاق طاقاته. ومع مرور الزمن، تحوّل بعضها إلى هويات صلبة، يُراد لها أن تكون بديلاً عن الانتماء الأوسع، العربي والإسلامي. وهنا تكمن الإشكالية: حين يُطلب من الإنسان أن يختار بين انتمائه الوطني وانتمائه الحضاري، فإننا نكون أمام معادلة مختلّة.
الانتماء الوطني لا ينبغي أن يكون في مواجهة الانتماء الأوسع، بل جزءاً منه. فلبنان، كما سورية والعراق وفلسطين، ليس جزيرة معزولة، بل حلقة في سلسلة تاريخية وثقافية وجغرافية متصلة. هذه البلدان تشكّل معاً فضاءً واحداً، رغم ما طرأ عليه من انقسامات سياسية. ومن هنا، فإن الدفاع عن الوطن لا يعني الانغلاق، بل الانفتاح على هذا الامتداد الطبيعي.
إن الخطاب الكياني الانعزالي، حين يطالب الأفراد بإثبات “نقاء” انتمائهم، إنما يزرع الشك بدل الثقة، ويعمّق الانقسام بدل أن يعالجه. وهو في جوهره خطاب يخشى الامتداد، لأنه يرى فيه تهديداً، بينما الحقيقة أن هذا الامتداد هو مصدر قوة. فالأمة التي تمتلك عمقاً حضارياً وجغرافياً تكون أقدر على مواجهة التحديات، وأقل عرضة للهيمنة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أهمية الكيان كإطار تنظيمي وسياسي يضمن الحقوق ويؤمّن الاستقرار. لكن هذا الإطار يجب أن يكون خادماً للإنسان، لا سجناً له. المطلوب هو إعادة التوازن: أن يكون الانتماء الوطني متجذّراً، لكن غير منغلق، وأن يكون الانتماء الحضاري حاضراً، لكن غير مُلغٍ للخصوصيات.
أما على مستوى الواقع السياسي، فإن ما نشهده اليوم من تحوّلات وصراعات في المنطقة هو مشهد مؤقت، مهما بدا معقّداً. التاريخ لا يسير في خط مستقيم، لكنه يميل في النهاية نحو التوازنات التي تعبّر عن حقائق الجغرافيا والثقافة. وكل نظام أو واقع يتموضع بالكامل خارج هذا السياق، سيجد نفسه عاجلاً أم آجلاً أمام تحدّي الاستمرار.
من هنا، فإن الدعوة إلى الوحدة -ولو على مستوى الرؤية والتكامل- بين لبنان وسورية والعراق وفلسطين، ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة استراتيجية. هذه الوحدة لا تعني إلغاء الكيانات، بل تجاوز حدودها النفسية، وبناء مساحات تعاون وتكامل تعيد للمنطقة دورها الفاعل.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل أنت من هذا الكيان؟ بل: كيف نعيد لهذا الكيان دوره الطبيعي ضمن أمته؟ وكيف نخرج من ثنائية الانغلاق والتبعية، نحو أفق أوسع من الحرية والاستقلال؟
فالهوية التي تحتاج إلى إثبات دائم، هي هوية مأزومة. أما الهوية الحقيقية، فهي التي تعيش فيك، وتعبّر عن نفسها بالفعل، لا بالشعارات.
النص يعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي الموقع

التعليقات مغلقة.