كان الرفض الجذري لوعد بلفور منذ صدوره مبدأً أساسياً حكم العمل الوطني والوطنيين في سنوات النضال الأولى، وشغل شعار إسقاطه العمل السياسي الفلسطيني، وأصبح هدفاً مركزياً لبواكير النشاطات الوطنية، وقد أدت مواجهة الوعد دوراً مهماً في تنشيط الحالة الوطنية، واستنهاض فئات الشعب كلها، وتجريب أشكال متعددة من النضال، وساهمت في تدعيم مكانة النخبة السياسية التي قادت الحركة الوطنية حتى عام 1948[1].
أرباب القلم في مواجهة الوعد
اتخذ العمل الفلسطيني في مواجهة وعد بلفور أشكالاً متعددة، منها الكتابة في الصحف، فما إن أعيد إصدارها عام 1919 حتى بادرت إلى نشر المقالات والإعلانات التحريضية والبرقيات والرسائل والتصريحات الاحتجاجية، وتغطية الفعاليات الميدانية المناهضة للوعد[2]، وظلت تمارس هذا الدور رغم الإجراءات القمعية التي طالتها؛ مثل الإغلاق، واعتقال محرريها وكتابها، ومصادرة أعدادها[3]. ومن هذه النشاطات رفع المذكرات وإرسال البرقيات والعرائض إلى المسؤولين في سلطة الاحتلال، وهي من أوائل الفعاليات ضد وعد بلفور، وأكثرها شيوعاً في سنوات الاحتلال الأولى، وقد تولت الأطر التمثيلية هذه المهمة؛ مثل الجمعية الإسلامية المسيحية في يافا، التي بادرت إلى إرسال مذكرة إلى الجنرال اللنبي عام 1918، تضمنت رفض الاعتراف بفلسطين وطناً قومياً لليهود[4]، ومذكرة ثانية إلى الجنرال كلايتون، وثالثة إلى الحاكم العسكري في يافا رفعتهما في الذكرى السنوية الأولى للوعد[5]. ومثل اللجنة التنفيذية المنبثقة عن المؤتمرات الفلسطينية التي توسعت في رفع المذكرات وبعث البرقيات ورسائل الاحتجاج.
النضال السياسي في مواجهة الوعد
حضر شعار إسقاط الوعد على جدول أعمال فرق العمل الوطني مبكراً، ويذكر السكاكيني أن اجتماعاً وطنياً عقد في نيسان عام 1919، لبحث التحرك الميداني الموحد ضد أماني الصهاينة في فلسطين ضم شخصيات مقدسية ونابلسية[6]، وكان الرفض للوعد ضمن مقررات المؤتمرات الفلسطينية منذ المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس عام 1919[7].
وشاع التظاهر والإضراب رفضاً للوعد، فانطلقت أولى التظاهرات في القدس في ذكراه السنوية الأولى[8]، واندلعت تظاهرة أخرى في بيت لحم[9]، وتكرر المشهد مراراً في نابلس ويافا وحيفا وطولكرم وغزة، وكان للمساجد والكنائس دور مركزي في احتضان الاعتصامات والتجمعات الجماهيرية المناهضة للوعد، إذ إنه لما أضربت حيفا “خرج المسلمون من صلاة الجمعة، واتجه أعيانهم وفي مقدمتهم فضيلة المفتي وأعضاء الجمعية الإسلامية نحو كنيسة اللاتين، حيث كان رؤساء الروم الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت والموارنة واللاتين الروحيين ووجهاء هذه الطوائف وأعضاء جمعية الشبيبة المسيحية مع جمهور غفير ينتظرونهم، وما كاد الوفد الإسلامي يصل إلى محل الاجتماع حتى بلغ الجمهور بضعة آلاف، فقرئ الاحتجاج وأخذ الناس يتوافدون للتوقيع عليه… فسار الموكب بملء الوقار إلى دار الحكومة، ودخل الرؤساء الروحيون والأعيان على سعادة الحاكم الكولونيل ستانتون، ووقف فضيلة المفتي خطيباً مبيناً رغبة الجمهور بعبارات فصيحة لم تترك محلاً للتأويل”[10]. وصادفت ذكرى الوعد عام 1922 ذكرى المولد النبوي، فاعتبره الفلسطينيون يوم “عيد ومأتم”[11]، واجتمع المسلمون في يافا في الجامع الكبير في ذكرى الوعد عام 1923، وانضم إليهم المسيحيون، ونددوا به[12]، واجتمع المسلمون والمسيحيون في طولكرم في المسجد، وألقيت خطابات منددة بالوعد، وكذا فعل أهل الرملة[13]، أما في نابلس فقد “هرع عدد عظيم من النابلسيين وفي مقدمتهم الجمعية الإسلامية المسيحية، وشبان النادي العربي، وتلامذة مدرستي النجاح والعرفان، إلى الجامع الكبير الصلاحي حسب العادة المقررة كل عام في مثل هذا اليوم ما دام ذلك الوعد باقياً لليهود، وقد توسل إلى الله تعالى الشيخ محمد أفندي تفاحة الحسيني بأن يفرج كربة البلاد من جراء ذلك الوعد المشؤوم، وهو محق الحق ومبطل الباطل، ثم تكلم رئيس الجمعية ما خلاصته أنه وإن كان الاجتماع بهذا اليوم هو اجتماع حزن وألم، ولكنا لا نريد أن نظهر بمظهر القانط من رحمة الله، بل نريد أن نتذكر جور الوعد الذي صدر فيه، فتشتد عزيمتنا على المثابرة، ونجدد العهد والميثاق، برفض تصريح بلفور، وبمواصلة المساعي والمجهودات الوطنية، إلى أن نظفر بأمنياتنا”[14].
وكان الوعد حاضراً في الاجتماعات التي عقدها الوطنيون مع كبار المسؤولين الإنكليز، ومنهم المندوب السامي، الذي التقى اللجنة التنفيذية وضغط عليها للاعتراف بالوعد وشرعنته[15]، وتشرتشل[16] الذي زار فلسطين عام 1921، فقوبل بتظاهرات على امتداد الطريق من غزة إلى القدس، وهتف المتظاهرون بسقوط الوعد[17]، وأعلنت اللجنة التنفيذية أمامه رفضها لفكرة الوطن القومي اليهودي[18]، وبلفور الذي وصل فلسطين في 25 آذار عام 1925[19]، فتشجع الوطنيون لإشعال فعاليات تظهر الغضب منه والرفض لوعده، وساندت الصحف الخطوة، وحثت الناس على الالتزام بها[20].
أعلن عن الإضراب في يوم وصول بلفور[21]، ووجهت دعوات للاحتشاد في المساجد والكنائس والدعاء لخلاص فلسطين، والامتناع عن مقابلته، ومنعه من زيارة الأماكن الدينية والمؤسسات الوطنية[22]، وأعلن محامو القدس الانضمام إلى الإضراب، وكذلك طلبة المدارس الأميرية في عموم فلسطين[23]، وطلاب دار المعلمين[24]، واندفع الإنكليز لإنزال العقاب بالمدارس المضربة، فقرروا إغلاقها[25]، وجلدوا الطلبة المضربين في مدرستي الناصرة[26]، والرشيدية في القدس[27]، واعتقلوا بعض المعلمين والمديرين، مثل مدير مدرسة شفا عمرو هاني أبو مصلح[28].
التحرك إقليماً ودولياً
أدرك الفلسطينيون أن النضال السياسي محلياً لن يكون كافياً لتحقيق هدف إسقاط الوعد، فتحركوا لحشد موقف عربي رافض له، وضاغط على بريطانيا، فعقدوا لقاءات مع الملك فيصل[29]، وتواصلوا مع ابن سعود في نجد[30]، ومع الحجاج العرب والمسلمين[31]، وراجعوا الدولة التركية في موقفها الرسمي من المشروع الصهيوني في فلسطين[32]، وتحركوا على جبهة المثقفين العرب، وعملوا على مواجهة حملات الاختراق الصهيوني لها[33]، وحرص الفلسطينيون على جعل رفض الوعد جزءاً رئيسياً من مطالبهم التي عرضوها أمام اللجان الدولية، مثل لجنة كينع كرين عام 1919 [34]، ومؤتمر الصلح[35]، وأثناء التواصل مع القناصل الأجنبية[36]،[37]، ومع عصبة الأمم[38]، ولجنة الانتدابات[39]، ومؤتمر لوزان[40].
الثورات المسلحة
لجأ الفلسطينيون إلى الكفاح المسلح في مواجهة الوعد، ومن بواكير الجهد الفلسطيني في هذا المضمار تشكيل مجموعة فلسطينية مقيمة في دمشق لجناح مسلح اسمه “جمعية فتى فلسطين” ركز نشاطه ضد الصهاينة في شمال فلسطين[41]، بالإضافة إلى الموجات الثورية التي تعاقبت منذ اندلاع ثورة العشرين في القدس، التي هتفت الحشود فيها بسقوط الوعد، وكذلك ثورة يافا عام 1921.
وكانت أحداث القدس في ذكرى الوعد عام 1921[42] لافتة، فقد استبقها الإنكليز بحظر التظاهر والإضراب أو رفع الرايات[43]، وضغطوا على الشخصيات الاعتبارية والسياسية في القدس للمساهمة في تهدئة الشارع المقدسي[44]، حتى دعا سكرتير اللجنة التنفيذية إلى عدم التظاهر[45]، وكذلك فعلت الجمعية الإسلامية المسيحية في يافا والقدس[46]، ثم أطلق الإنكليز حملة اعتقالات، فاعتقلوا الأستاذ محمود العابودي الذي اتهم بأنه كان وراء توزيع منشورات الجمعية الفلسطينية في مصر، التي دعت أهل فلسطين للإضراب والتظاهر ضد الوعد[47]، ورغم القمع الإنكليزي وانحناء النخبة السياسية أمامه، فقد لبى المقدسيون الدعوة للإضراب، وتظاهروا في أكثر من موقع في البلدة القديمة، واندلعت مواجهات عنيفة مع الصهاينة، أطلق فيها النار وألقيت قنبلة، واستخدمت السكاكين والخناجر[48]، وارتقى عوض الخليلي في هذه المواجهة، وقتل خمسة من اليهود وجرح تسعة وثلاثون، منهم ثلاثة عشر جروحهم بليغة. منع الإنكليز التجوال في المدينة المقدسة، وألقوا القبض على أربعين شخصاً[49]، منهم: جمال الحسيني، وكامل البديري، ومحمود الدباغ، وعبد الرحيم الطوبجي، وجمال الخطيب، ويوسف ياسين[50]، وصدرت أحكام اعتقال بحق 21 فلسطينياً تراوحت ما بين أسبوع و6 أشهر[51].
خاتمة
اتسم النضال الوطني ضد وعد بلفور في سنوات الاحتلال الإنكليزي الأولى بالسلمية، إذ شاع الإضراب والتظاهرات والاعتصامات ورفع العرائض والمذكرات، وقد عبر بشكله ومضمونه عن التحولات الكبرى التي أعقبت انتصار الحلفاء في الحرب العظمى، وعن طبيعة موازين القوى في المجتمع الفلسطيني، سواء في ما يتعلق بالنخبة السياسية والاجتماعية، أو بعامة الناس.
صحيح أن أكثر الفعاليات الوطنية كانت مسقوفة بالواقع الجديد الذي بدا فيه الإنكليز قوة لا يمكن معاندتها، لكنّ معطيات المشهد النضالي العام تعطي دلائل على وجود محاولات فلسطينية مبكرة لتجاوز سقف الاحتلال الإنكليزي، وتوسيع حدود الفعل والممكن النضالييْن، وقد تجسد ذلك ميدانياً في الثورات والهبات المتلاحقة التي بدأت متواضعة في طموحها وأدائها، لكنها سرعان ما تعافت، وقدمت نموذجاً قوياً في البناء التنظيمي والخطاب السياسي والأداء الميداني[52].
[1] كان نقاش فلسطيني حول أولوية النضال ضد وعد بلفور، حسمته ثورة 36 لمصلحة النضال ضد الوجود الإنكليزي في فلسطين، باعتبار أن “بريطانيا هي أصل الداء وأساس البلاء”، وهذا المقال لا يتناول هذا النقاش، وإنما يسلط الضوء على تفاصيل النضال ضد الوعد في سنوات الاحتلال الأولى.
[2] من أوائل الكتابات الصحافية، انظر: مرآة الشرق (17 أيلول 1919)؛ مرآة الشرق (22 تشرين الأول 1919).
[3] من الأمثلة على هذه الصحف: فلسطين والكرمل والجامعة العربية ولسان العرب والجامعة الإسلامية والنفير.
[4] مؤسسة الدراسات الفلسطينية. وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939 من أوراق أكرم زعيتر (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط2، 1984، ص1).
[5] المصدر نفسه، ص4 – 5 و7.
[6] أكرم مسلّم (تحرير)، “يوميات خليل السكاكيني المجلد الأول 1917 -1922” (رام الله: مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز خليل السكاكيني، 2026)، ص 786-787.
[7] عبد الوهاب الكيالي. وثائق المقاومة الفلسطينية العربية ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية 1918-1939 (بيوت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط2، 1988، 3-4).
[8] حول تفاصيل المظاهرة انظر: عصام نصار وسليم تماري (محرران). القدس الانتدابية في المذكرات الجوهرية، الكتاب الثاني من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1918-1948 (القدس: مؤسسة الدراسات المقدسية، 2005، ص305-306).
[9] مجلة بيت لحم، الجزء السابع، الأول من آذار 1920، ص 396-401.
[10] وثائق الحركة الوطنية، مصدر سبق ذكره ص 38.
[11] الكرمل (8 تشرين الثاني 1922).
[12] فلسطين (2 تشرين الثاني 1923).
[13] فلسطين (6 تشرين الثاني 1923).
[14] فلسطين (5 تشرين الثاني 1926).
[15] من ذلك اجتماع اللجنة التنفيذية مع المندوب السامي أوائل عام 1921. صحيفة ألف باء (20 شباط 1921).
[16] فلسطين (26 آذار 1921)؛ فلسطين (30 آذار 1921)؛ فلسطين (22 نيسان 1921).
[17] سحر الهنيدي. التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي فترة هربرت صامويل 1920- 1925 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2033، ص 160).
[18] مرآة الشرق (1 نيسان 1921).
[19] أكرم زعيتر. بواكير النضال من مذكرات أكرم زعيتر 1909-1935 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1995، ص 9-10).
[20] فلسطين (13 آذار 1925)؛ فلسطين (17 آذار 1925).
[21] فلسطين (10 شباط 1925).
[22] فلسطين (27 شباط 1925).
[23] فلسطين (17 آذار 1925).
[24] فلسطين 21 آذار 1925.
[25] الشورى (2 نيسان 1925).
[26] الشورى (2 نيسان 1925).
[27] الشورى (11 تشرين الثاني 1926).
[28] الشورى (9 نيسان 1925).
[29] عيسى السفري، مصدر سبق ذكره، ص 15.
[30] هنيدي، مصدر سبق ذكره، ص 225-227.
[31] تقرير الوفد الفلسطيني الإسلامي للحجاز عن حالة فلسطين الحاضرة، مرفوع للعالم الإسلامي بواسطة حجاج بيت الله الحرام في موسم سنة 1340هـ، ص 6-8.
[32] الكرمل (1 تشرين الثاني 1922).
[33] فلسطين (25 تشرين الأول 1922).
[34] الهنيدي، مصدر سبق ذكره، ص 28.
[35] مؤسسة الدراسات الفلسطينية. وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939 من أوراق أكرم زعيتر (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط2، 1984، ص4 – 5 و7- 8 و11-12 و14-16).
[36] عيسى السفري، فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية (يافا: مكتبة فلسطين الجديدة، 1937)، ص 32.
[37] النفير (1 آذار 1920).
[38] ألف باء (20 شباط 1921).
[39] رقيب صهيون (1 تشرين الثاني 1924).
[40] لسان العرب (10 تشرين الثاني 1922).
[41] وليد الخالدي (تحرير وتقديم)، “محمد عزة دروزة 1305-1404هـ/1887-1984م سيرة ذاتية مقتطفة من مذكراته” الجزء الأول، ط1 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2023، ص 105).
[42] دعت منشورات وزعتها الجمعية الفلسطينية في مصر أهل فلسطين إلى الإضراب العام في الثاني من تشرين الثاني عام 1921. انظر: فلسطين 2 تشرين الثاني 1921.
[43] فلسطين (2 تشرين الثاني 1921).
[44] لسان العرب (5 تشرين الثاني 1921).
[45] النفير (2 تشرين الثاني 1921).
[46] مرآة الشرق (5 تشرين الثاني 1921).
[47] فلسطين (9 تشرين الثاني 1921).
[48] فلسطين (5 تشرين الثاني 1921).
[49] لسان العرب (3 تشرين الثاني 1921).
[50] النفير (8 تشرين الثاني 1921).
[51] فلسطين (9 تشرين الثاني 1921).
[52] يتضح ذلك في المقارنة بين ثورة 36 والثورات التي قبلها.
عوني فارس – مؤسسة الدراسات الفلسطينية