لماذا أخفقت استراتيجية “قطع الرأس” في إسقاط النظام الإيراني؟

تموز 25, 2026 الناشر 9 قراءة 1 دقائق قراءة

يرى الدكتور محمد محسن أبو النور، رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم، أن استمرار النظام الإيراني رغم الضربات الأميركية الواسعة واغتيال عدد كبير من قياداته يكشف حدود النظريات العسكرية التي تفترض إمكان تحويل التفوق الجوي إلى انهيار سياسي سريع.

ويستند أبو النور، في تحليله، إلى ثلاث نظريات أساسية في الفكر العسكري الغربي، هي نظرية الجنرال الإيطالي جيليو دوهيه بشأن السيادة الجوية، ونظرية الجنرال البريطاني بازل هنري ليدل هارت حول الاقتراب غير المباشر، ونموذج العقيد الأميركي جون واردن المعروف بـ“حلقات العدو الخمس”.

ويخلص إلى أن الحالة الإيرانية تُظهر أن شدة القصف، واتساع الاغتيالات، وإصابة القيادة السياسية والعسكرية لا تؤدي تلقائيًا إلى سقوط النظام، ما دامت مؤسسات الدولة وأجهزة السيطرة الداخلية قادرة على الاستمرار وتعويض الخسائر.

السيادة الجوية وحسم الحرب من السماء
انطلق دوهيه، في كتابه “سيادة الجو”، من فرضية أن السيطرة الكاملة على المجال الجوي تمكّن الدولة من استخدام قوتها الجوية بوصفها أداة لحسم الحرب سياسيًا ونفسيًا، لا مجرد وسيلة لدعم القوات البرية.

وبحسب هذه النظرية، يمكن للضربات المكثفة التي تستهدف مراكز الثقل الحيوية أن تكسر إرادة الدولة المعادية وتدفعها إلى تغيير سلوكها، من دون الحاجة إلى احتلال أراضيها.

ويرى أبو النور أن هذا المنطق يفسر جانبًا من المقاربة الأميركية تجاه إيران خلال حربي صيف 2025 وشتاء 2026، حيث اعتمدت واشنطن على الضربات الجوية المركزة، بدل الانخراط في عملية عسكرية برية واسعة.

لكن استمرار مؤسسات النظام الإيراني في العمل أظهر أن السيطرة الجوية لا تضمن، وحدها، تحقيق تحول سياسي داخل الدولة المستهدفة.

الاقتراب غير المباشر واستنزاف إيران
أما ليدل هارت، فطرح تصورًا مختلفًا يقوم على تجنب المواجهة المباشرة، والعمل على إنهاك الخصم سياسيًا واقتصاديًا ونفسيًا، وإفقاده توازنه الاستراتيجي قبل خوض المواجهة الحاسمة.

ويمكن، وفق التحليل، قراءة العقوبات الاقتصادية، والحرب السيبرانية، والاغتيالات، والعمليات الاستخباراتية ضد إيران في إطار هذه النظرية، التي تراهن على أدوات أقل كلفة من الحرب التقليدية الشاملة.

ولا تهدف هذه الأدوات بالضرورة إلى إسقاط النظام بضربة واحدة، بل إلى إضعاف قدرته على إدارة الدولة، وتعميق أزماته الاقتصادية والاجتماعية، وتآكل تماسكه المؤسسي تدريجيًا.

واردن وحلقات الدولة الخمس
طوّر جون واردن مقاربة أكثر تركيبًا، إذ نظر إلى الدولة باعتبارها منظومة تتكون من خمس حلقات مترابطة، تبدأ بالقيادة السياسية، ثم المنظومات الحيوية، والبنية التحتية، والسكان، وأخيرًا القوات العسكرية.

وتقوم فرضيته على أن ضرب الحلقة المركزية، أي القيادة، يمكن أن يشل بقية الحلقات ويمنع الدولة من مواصلة الحرب، حتى إذا ظل جزء كبير من قواتها المسلحة قائمًا.

وقد ظهر تأثير هذا النموذج في التخطيط الأميركي لعملية “عاصفة الصحراء” عام 1991، حيث جرى التركيز على مراكز القيادة والسيطرة والبنى الحيوية العراقية.

غير أن تطبيقه على إيران، بحسب أبو النور، كشف عن نتائج أكثر تعقيدًا.

اغتيال القيادة لم يؤدِّ إلى انهيار النظام
تعرضت إيران، وفق المقال، لثلاثة عشر يومًا من الضربات الأميركية المكثفة، سبقتها سبعة وثلاثون يومًا من عمليات اغتيال استهدفت قيادات سياسية وعسكرية، منذ 28 شباط/فبراير وحتى 7 نيسان/أبريل 2026.

ورغم مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في الساعة الأولى من الحرب، والخسائر الواسعة التي أصابت القيادات والمنشآت الحساسة، لم تظهر مؤشرات قاطعة على انهيار بنية النظام أو فقدانه السيطرة على مؤسسات الدولة والمجتمع.

ويضع ذلك استراتيجية “قطع الرأس” أمام اختبار صعب؛ إذ أثبتت التجربة أن اغتيال القادة لا يؤدي بالضرورة إلى تعطيل نظام يمتلك شبكة مؤسساتية وأمنية ودينية وعسكرية متداخلة.

النظام الإيراني أكبر من شخص واحد
تختلف البنية الإيرانية، بحسب التحليل، عن الأنظمة التي تقوم بصورة شبه كاملة على زعيم واحد أو دائرة ضيقة من الأشخاص.

فالنظام الإيراني يستند إلى شبكة تضم بيت القيادة، والحرس الثوري، وقوات التعبئة “الباسيج”، والأجهزة الأمنية، والمؤسسات الدينية والقضائية والإدارية، إلى جانب تنظيمات شبابية وسياسية متعددة.

ويعني استمرار هذه الشبكة أن تعويض بعض القيادات قد يكون ممكنًا، بينما يصبح انهيار النظام مرتبطًا بتفكك المؤسسات التي تضمن انتقال الأوامر، وحشد الموارد، وضبط المجتمع، والمحافظة على ولاء الأجهزة.

وفي هذا السياق، يشير أبو النور إلى دراسة للباحث جاكوب ستويل، أستاذ دراسات أمن الشرق الأوسط في معهد الدراسات الاستراتيجية التابع لكلية الحرب في الجيش الأميركي، تناولت مدى صلاحية نموذج واردن لتفسير فرص تغيير النظام في إيران.

قلب نموذج واردن
يرى بعض الباحثين العسكريين الأميركيين أن إحداث تغيير سياسي في إيران قد يتطلب عكس ترتيب حلقات واردن، بحيث يبدأ الضغط بإضعاف أدوات السيطرة الداخلية بدل الاكتفاء باستهداف رأس النظام.

ووفق هذا التصور، قد يكون استنزاف الأجهزة الأمنية، وضرب تماسكها المؤسسي والمعنوي، وإضعاف قدرتها على الانتشار وضبط الشارع، أكثر تأثيرًا في المدى البعيد من اغتيال القيادات العليا.

ويعني ذلك أن بقاء النظام لا يعتمد فقط على استمرار القيادة، بل على قدرة المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية على تنفيذ القرارات، ومنع تحول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى حركة سياسية تهدد بنية الحكم.

حرب منخفضة الكلفة من دون اجتياح بري
عند الجمع بين نظريات دوهيه وليدل هارت وواردن، يظهر قاسم مشترك يتمثل في البحث عن وسيلة لإجبار الخصم على فقدان القدرة على الاستمرار، من دون الدخول في حرب برية واسعة ومكلفة.

فالضربات الجوية تستهدف مراكز الثقل، والعقوبات والعمليات السرية تستنزف الدولة، فيما تسعى الاغتيالات إلى إرباك القيادة وإضعاف منظومات السيطرة.

ولا يعني ذلك أن الإدارة الأميركية تطبق هذه النظريات حرفيًا، لكن طبيعة الأدوات المستخدمة ضد إيران تتقاطع بوضوح مع مدارس التفكير العسكري التي تركز على شل الدولة من الداخل بدل احتلالها.

مخاوف من سيناريو التفكيك
يتناول التحليل أيضًا مخاوف إيرانية من أن يتجاوز الهدف الأميركي إضعاف النظام إلى دفع البلاد نحو التفكك الجغرافي والسياسي، على غرار ما حدث في يوغوسلافيا.

وفي هذا الإطار، أشار أبو النور إلى مقال للكاتب الإيراني رضا رحمتي نشرته صحيفة “وطن امروز”، حذر فيه من مشروع يستهدف شل إيران وتهيئة ظروف تقسيمها، لا الاكتفاء بتوجيه ضربات عسكرية إلى مؤسساتها.

ويكتسب هذا السيناريو حساسية خاصة في ظل ما يورده المقال عن شبه انفصال جنوب إيران عن مراكز القيادة والسيطرة في طهران، وهو ما يرفع مخاطر تحول الاضطراب العسكري إلى أزمة في وحدة الدولة.

التماسك الداخلي هو العامل الحاسم
يعتقد أبو النور أن مستقبل النظام الإيراني لن يتحدد بعدد الطائرات والصواريخ الأميركية المستخدمة، بل بقدرته على الحفاظ على تماسك مؤسساته، واستمرار ولاء أجهزته الأمنية، واحتواء الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

ويشير إلى أن الباحث الإيراني مهدي نجف بور تناول هذه المسألة في مقال نشرته صحيفة “آگاه”، ركز فيه على أهمية بناء قوة داخلية قادرة على ضمان استدامة النظام في ظل الحرب الهجينة.

وبحسب هذا المنظور، فإن النظام يستطيع تحمل خسائر عسكرية كبيرة ما دام قادرًا على مواصلة إدارة الدولة، وتوزيع الموارد، والسيطرة على الأجهزة، ومنع تحول السخط المجتمعي إلى انهيار سياسي شامل.

حجم النيران لا يحسم مصير الأنظمة
تُظهر تجارب التاريخ، وفق التحليل، أن بعض الدول انهارت بعد هزائم عسكرية محدودة، بينما واصلت دول أخرى الصمود رغم تعرضها لتدمير واسع.

ولا يكمن الفارق بالضرورة في حجم القوة المستخدمة، بل في متانة المؤسسات، وطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة، وقدرة النظام على المحافظة على قدر من الشرعية أو التماسك في ظروف الحرب.

ولهذا، فإن قتل القيادة أو تدمير البنية التحتية لا يكفيان وحدهما لإسقاط نظام قادر على إعادة إنتاج قياداته، وتحريك مؤسساته، وتأمين الحد الأدنى من السيطرة السياسية والأمنية.

اختبار حي للنظريات الغربية
يخلص أبو النور إلى أن الحرب بين واشنطن وطهران تحولت إلى اختبار عملي لثلاث من أبرز النظريات الاستراتيجية الغربية في العصر الحديث.

فالسؤال لم يعد متعلقًا بقدرة الولايات المتحدة على مواصلة القصف، إذ إن تفوقها العسكري لا يبدو موضع شك، بل بقدرتها على تحويل هذا التفوق إلى تغيير سياسي داخل بنية النظام الإيراني.

وحتى الآن، تبدو النتيجة بعيدة عن تصورات أنصار الحسم السريع، كما لا توفر ضمانًا لأنصار فرضية صمود النظام إلى أجل غير محدود.

فبقاء الأنظمة أو سقوطها لا يخضع لمنطق القوة العسكرية وحده، وإنما للطريقة التي تتفاعل فيها هذه القوة مع بنية الدولة، وتماسك مؤسساتها، وولاء أجهزتها، وقدرة مجتمعها على تحمل الضغوط.