اعتبر الكاتب “الإسرائيلي” ناحوم برنياع أن الذكاء الاصطناعي تحول خلال الحرب على غزة إلى أداة مركزية في اختيار الأهداف العسكرية، لكنه حذر من استخدام هذه التقنية ذريعة للتنصل من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن حجم الدمار والخسائر البشرية التي خلفتها الحرب.
وفي مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، تناول برنياع أبعاد استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي داخل الجيش “الإسرائيلي”، مستندًا إلى دراسة أعدها الباحثان ياغيل ليفي وأوري شفارتز، اللذان بحثا في دور هذه الأنظمة في اتخاذ القرارات الاستخباراتية والعملياتية خلال الحرب.
توتر إقليمي وتساؤلات داخل “إسرائيل”
استهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى تصاعد المؤشرات على احتمال اندلاع مواجهة جديدة في الخليج، مع رفع الجيش “الإسرائيلي” مستوى التأهب، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لتوسيع عملياتها ضد إيران.
لكنه يرى أن السؤال الأكثر أهمية داخل المؤسسة العسكرية لا يتعلق بإمكان اندلاع الحرب، بل بمدى وجود مصلحة “إسرائيلية” حقيقية في العودة إلى القتال، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ويشير برنياع إلى أن “إسرائيل” بدت في الأشهر الأخيرة على هامش المواجهة بين واشنطن وطهران، في ظل رغبة الطرفين في تجنب إشراكها مباشرة في الصراع.
الحرب النووية… ونتائج معاكسة
يرى الكاتب أن الحرب التي رفعت شعار وقف المشروع النووي الإيراني أفرزت نتائج مغايرة، بعدما دفعت دولًا في المنطقة، بينها السعودية وتركيا والإمارات، وربما مصر، إلى التفكير في تطوير برامج نووية خاصة بها.
ويضيف أن المشهد الإقليمي بات أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز، وما يرافقه من تداعيات على الملاحة وأسواق الطاقة.
الذكاء الاصطناعي في قلب الحرب
ينتقل المقال إلى دراسة تناولت استخدام الجيش “الإسرائيلي” ثلاثة أنظمة رئيسية للذكاء الاصطناعي، هي:
“البشرى” لتحديد البنى التحتية العسكرية.
“اللافندر” لتحديد الأشخاص وتصنيفهم أهدافًا.
“أين أبي؟” لتعقب وجود الأشخاص داخل منازلهم.
وبحسب الدراسة، أتاحت هذه الأنظمة توسيع نطاق اختيار الأهداف بصورة غير مسبوقة، اعتمادًا على تحليل كميات هائلة من البيانات، ما أدى إلى ارتفاع كبير في عدد الأهداف التي جرى استهدافها خلال فترة قصيرة.
منطق إحصائي بدل المعلومات الاستخباراتية
يشير الباحثان إلى أن بعض قرارات الاستهداف لم تعد تعتمد على معلومات استخباراتية مباشرة، وإنما على أنماط إحصائية تستنتجها الخوارزميات.
ويؤكدان أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل في كثير من الأحيان كـ”صندوق أسود”، بحيث لا يعرف المشغلون بصورة كاملة الكيفية التي توصلت بها إلى تصنيف شخص أو مبنى باعتباره هدفًا مشروعًا.
ويرى المقال أن الثقة الكبيرة التي يمنحها المستخدمون لهذه الأنظمة، باعتبارها أكثر حيادًا ودقة من البشر، تقلل من حجم التدقيق البشري في قرارات الاستهداف.
زيادة الدقة… وتوسيع نطاق القتل
بحسب الدراسة، فإن الذكاء الاصطناعي قد يحسن دقة اختيار الأهداف، لكنه في الوقت نفسه يضاعف عدد العمليات العسكرية بصورة هائلة.
ويشير الباحثان إلى أن ارتفاع سرعة إنتاج الأهداف من عشرات أسبوعيًا إلى آلاف الأهداف أدى، رغم تحسن الدقة النسبية، إلى زيادة أعداد الضحايا المدنيين واتساع رقعة الدمار، نتيجة الحجم الكبير للغارات المنفذة.
ويرى المقال أن المشكلة لم تعد مرتبطة بدقة كل ضربة على حدة، بل بعدد الضربات التي أصبح تنفيذها ممكنًا بفضل الأتمتة.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي غطاءً للمسؤولية؟
يطرح برنياع سؤالًا يتجاوز الجانب التقني إلى البعد القانوني والسياسي، معتبرًا أن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يوفر لصناع القرار وسيلة للتنصل من المسؤولية عن النتائج.
فبدل الاعتراف بأن قرارات بشرية أدت إلى مقتل مدنيين وتدمير أحياء كاملة، يمكن، بحسب الكاتب، إلقاء اللوم على الخوارزميات التي حددت الأهداف.
ويرى أن هذه المقاربة تفرغ مبدأ المساءلة من مضمونه، لأن القرار النهائي باستخدام القوة يبقى قرارًا بشريًا، حتى وإن استند إلى توصيات تقنية.
دعوات لتعزيز الرقابة البشرية
خلص الباحثان إلى ضرورة توسيع الرقابة البشرية على أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإبقاء الإنسان جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار، حتى لو أدى ذلك إلى إبطاء تنفيذ العمليات العسكرية.
غير أن برنياع يشكك في إمكانية تبني هذا التوجه، مرجحًا أن تميل المؤسسة العسكرية إلى الاتجاه المعاكس، أي تقليص التدخل البشري، والاعتماد بصورة أكبر على الأنظمة الذكية التي توفر السرعة وتخفض الكلفة.
أسئلة للمستقبل
ويختتم الكاتب مقاله بالتشكيك في إمكانية تبرئة القيادات السياسية والعسكرية من نتائج الحرب عبر تحميل المسؤولية للتكنولوجيا.
ويقول إن المؤرخين قد لا يجدون في محاضر الحكومة قرارًا صريحًا يقضي بقتل المدنيين أو تدمير المدن، لكن ذلك لا يعني، برأيه، أن المسؤولية انتقلت إلى الذكاء الاصطناعي، بل إن القرار باستخدام هذه الأنظمة وتحديد قواعد عملها ظل قرارًا اتخذه البشر.