خلصت دراسة صادرة عن مركز رؤية للتنمية السياسية إلى أن القلق المتزايد في “إسرائيل” من احتمال وصول نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى البيت الأبيض عام 2028 لا يرتبط بشخصه فقط، بل بالتحولات الفكرية والسياسية التي يمثلها داخل الحزب الجمهوري، والتي قد تؤدي إلى إعادة تعريف العلاقة التقليدية بين واشنطن و”إسرائيل” وفق معايير المصالح الأميركية، بعيداً عن مفهوم “الاستثناء الإسرائيلي” الذي حكم السياسة الأميركية لعقود.
وترى الدراسة، التي أعدها الباحث رامز صلاح، أن نقطة التحول برزت عقب توقيع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مذكرة تفاهم مع إيران في حزيران 2026، والتي هدفت إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق مسار تفاوضي بشأن الملف النووي الإيراني وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، في خطوة أثارت اعتراضاً واسعاً داخل الحكومة “الإسرائيلية” ووسائل الإعلام المقربة منها، التي اعتبرت الاتفاق تنازلاً يمنح طهران مكاسب سياسية ويقيد حرية التحرك العسكري لـ”إسرائيل”.
عقيدة سياسية جديدة
توضح الدراسة أن مواقف فانس تجاه “إسرائيل” لا تمثل رد فعل مؤقتاً، وإنما تنطلق من رؤية فكرية تنتمي إلى تيار اليمين الأميركي الجديد، الذي يرفض الانخراط في الحروب الخارجية ويرى أن على الحلفاء تحمل مسؤولية أمنهم بأنفسهم.
وتربط الدراسة هذه الرؤية بالخلفية الاجتماعية والسياسية لفانس، الذي نشأ في ولاية أوهايو ضمن بيئة متضررة من آثار العولمة، وخدم في الجيش الأميركي خلال حرب العراق، وهو ما رسخ لديه قناعة بأن التدخلات العسكرية الخارجية تستنزف الولايات المتحدة دون تحقيق مكاسب استراتيجية.
وتشير إلى أن هذه القناعة انعكست في مواقفه المتكررة الرافضة لأي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران، ودعوته إلى إخضاع العلاقات مع الحلفاء، بما في ذلك “إسرائيل”، لحسابات الكلفة والعائد بما ينسجم مع شعار “أميركا أولاً”.
انتقادات غير مسبوقة لـ”إسرائيل”
تستعرض الدراسة سلسلة من المواقف التي تبناها فانس تجاه الحكومة “الإسرائيلية”، من بينها انتقاده قرار توسيع الاستيطان في الضفة الغربية خلال زيارة أجراها إلى “تل أبيب” في تشرين الأول 2025، إضافة إلى معارضته الحرب على إيران، ورفضه اعتبار انتقاد سياسات حكومة بنيامين نتنياهو شكلاً من أشكال معاداة السامية.
كما تشير إلى المؤتمر الصحافي الذي عقده في حزيران 2026، وانتقد خلاله القيادة “الإسرائيلية” بصورة غير مسبوقة، مؤكداً أن “إسرائيل” لا تستطيع فرض سياساتها على الولايات المتحدة، وأن الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لا يشكل حلاً دائماً للتحديات الأمنية.
أسباب القلق في “إسرائيل”
وترى الدراسة أن المخاوف داخل “إسرائيل” تتجاوز الخلافات السياسية الآنية، إذ تعكس إدراكاً متزايداً بأن الدعم الأميركي التقليدي لم يعد يحظى بالإجماع نفسه داخل الحزب الجمهوري.
وتشير إلى أن توقيع مذكرة التفاهم مع إيران من دون إشراك “إسرائيل” في صياغتها اعتُبر مؤشراً على تراجع مكانة “تل أبيب” في عملية صنع القرار الأميركي، كما أثارت تصريحات فانس بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني ووقف العمليات العسكرية في جنوب لبنان مخاوف من تغيير قواعد العلاقة الاستراتيجية بين الجانبين.
وتلفت الدراسة إلى أن أوساطاً سياسية وأمنية “إسرائيلية” باتت تنظر إلى فانس بوصفه ممثلاً لتحول أعمق داخل الحزب الجمهوري، وليس مجرد شخصية تختلف مع حكومة نتنياهو.
تنافس مع ماركو روبيو
وتخصص الدراسة جانباً من تحليلها للتنافس داخل الإدارة الأميركية بين جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، معتبرة أن الخلاف بينهما يتجاوز الطموحات الرئاسية لعام 2028 إلى اختلاف جوهري في رؤية العلاقة مع “إسرائيل”.
فبينما يمثل روبيو، بحسب الدراسة، التيار الجمهوري التقليدي الداعم للتحالف الوثيق مع “إسرائيل”، يجسد فانس توجهاً جديداً يقوم على إخضاع جميع الحلفاء، بمن فيهم “إسرائيل”، لمبدأ المصلحة الأميركية دون استثناءات.
وتوضح الدراسة أن توزيع الملفات داخل الإدارة الأميركية، حيث تولى فانس إدارة المفاوضات مع إيران بينما قاد روبيو الملف اللبناني، يعكس اختلافاً في مقاربة كل منهما لدور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وآليات التعامل مع قضايا الأمن الإقليمي.
مستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية
وتخلص الدراسة إلى أن القلق “الإسرائيلي” لا ينبغي ربطه حصراً بانتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، بل بالتحولات المتنامية داخل القاعدة الجمهورية، والتي قد تدفع نحو إعادة صياغة العلاقة مع “إسرائيل” حتى في حال عدم وصول فانس إلى الرئاسة.
وترى أن مستقبل العلاقات الأميركية-“الإسرائيلية” بات مرشحاً للدخول في مرحلة جديدة تقوم بدرجة أكبر على حسابات المصالح والكلفة والمنفعة، بدلاً من العلاقة الخاصة التي سادت لعقود، وهو تحول قد تصبح آثاره إحدى السمات الأساسية للسياسة الخارجية الأميركية خلال السنوات المقبلة.