وقف السيد تلك الليلة أمام العدسات، بصوتٍ ثابت يخاطب أمّته المجاهدة، تاركًا كلماتٍ حملت لاحقًا معنى الوصيّة. حمل خطابه أثرًا باقيًا على صفحاتِ التاريخ، أثر قائدٍ يعرف أنّ الطريق التي اختارها لا رجعة فيها، وأنّ الثمن الذي سيُدفع سيكون باهظًا حدّ الشهادة.
ومن هذا اليقين بالذات، انطلقت كلماته لتحمل في طيّاتها أكثر من معنى واحد. فبعد عامين من تلك الكلمات، تكتسب خطبة الوداع معنى مختلفًا تمامًا حين تُقرأ في ظلّ ما اقترفته يد الاحتلال في أيلول الأسود، إذ حملت المجزرة التي طالت أجهزة النداء واللاسلكي وجهًا جديدًا لعدوٍّ اعتاد الغدر كلّما عجز عن المواجهة، فانفجرت آلاف الأجهزة في وقتٍ واحد، مستهدفةً المجاهدين في بيوتهم وأسواقهم وسياراتهم، وتاركة خلفها مشهدًا لم يعرفه العالم من قبل: تقنية الحياة اليومية تتحوّل إلى أداة قتل جماعي، تطال معها الأطفال والنساء والمارّة الأبرياء دون تمييز.
وهنا بالتحديد يكمن سرّ عودتنا إلى خطاب السيد، ذلك أنّه بثاقب بصيرته، أدرك حجم الخبث الذي يخطّط له عدوّ فقد الأمل بمواجهة المقاومة وجهًا لوجه، فتحدّث عن عدوٍّ يبدّل أسلحته باستمرار، مع بقاء جوهره القائم على استباحة كل ما هو إنسانيّ وبريء. وهكذا حملت تلك الكلمات، التي بدت حينها تحذيرًا عامًا، قراءة استراتيجية دقيقة لعدوٍّ يخوض حربه بلا حدود أخلاقية ضدّ أبناء الأمة.
ثم جاء الاغتيال الغادر ليضع النقطة الأخيرة في سطرٍ حمل أصلًا نبوءة التضحية، فارتقى السيد شهيدًا كما عاش مجاهدًا، واقفًا بلا انحناء، رافضًا كل مساومة على قضية أمّته، حارمًا عدوّه من فرصة الاحتفال بنصرٍ معنوي، ومحوّلًا استشهاده إلى شرارة جديدة أضاءت درب المقاومة، خلافًا لما كان يأمله مخطّطو الجريمة في تل أبيب.
من هنا، فتحت مجزرة البيجر واللاسلكي بابًا جديدًا لفهم طبيعة الصراع المعاصر، إذ بات واضحًا أنّ الاحتلال يخوض حربه اليوم بخبث ويلجأ إلى ضرب الناس في أدقّ تفاصيل حياتهم. غير أنّ هذا الأسلوب الجبان، عوضًا عن كسر إرادة الأمة، كشف حجم البصيرة التي حملها السيد ، تلك البصيرة التي عبّر عنها بوضوح في كلماته الأخيرة.
واليوم، وبعد عامين كاملين على تلك الليالي الدامية، لا تزال الذاكرة الجماعية تتراوح بين الحزن العميق والعزيمة المتجدّدة على مواصلة الطريق. ومن هنا تأتي الكتابة عن السيد تأكيدًا على أنّ صوته باقٍ حاضرًا، وأنّ من اغتالته يد العدوّ ما زال حيًا في كل ساحة، وفي كل رمزٍ تحوّل من أداة قتل إلى شارة فخر. وهكذا حمل الوداع الذي ظنّه كثيرون خطابًا عابرًا، عهدًا موجّهًا لأمّةٍ بأكملها: امضوا في الطريق، فقد أدّى الشهداء الأمانة، وباتت الدرب أوضح من أي وقت مضى، وستظل دماء أيلول شاهدًا أبديًا على أنّ إرادة المقاومين لا تنكسر مهما تفنّن العدوّ في وسائل غدره.