بين خطاب النهج وخطاب السياسة: ماذا أرادت المقاومة أن تقول للبنان بعد الاتفاق؟
لم يكن من قبيل المصادفة أن تأتي كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في افتتاح المجلس العاشورائي المركزي، وأن تتبعها بعد أقل من أربع وعشرين ساعة مواقف رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بالاتجاه نفسه تقريباً. فالكلمتان، رغم اختلاف المناسبة والأسلوب، بدتا وكأنهما نصّ واحد موزع على مستويين: الأول يرسم الرؤية الفكرية والاستراتيجية، والثاني يترجمها إلى موقف سياسي مباشر موجّه إلى الدولة اللبنانية.
ففي لحظة إقليمية استثنائية أعقبت التفاهم الأميركي ـ الإيراني، اختارت المقاومة أن تقدم قراءتها للمرحلة الجديدة، لا من زاوية الاحتفال بالاتفاق أو التعليق عليه فحسب، بل من زاوية إعادة تعريف الأولويات اللبنانية وتحديد قواعد الاشتباك السياسي المقبلة.
من عاشوراء إلى السياسة
في الظاهر، انطلقت كلمة الشيخ نعيم من عاشوراء وشعار “الحسين نهجنا”، لكنها في العمق كانت لتقديم فلسفة المرحلة المقبلة. فالحسين، وفق القراءة التي عرضها، ليس مجرد ذكرى تاريخية أو حالة وجدانية، بل مشروع إصلاح ومواجهة للظلم وصناعة للوعي القادر على تحويل التضحيات إلى قوة تاريخية مستمرة.
ومن هنا جاء الربط بين كربلاء والمقاومة. فكما اعتبر الإمام الحسين أن مواجهة الظلم واجب لا يسقط مهما بلغت التضحيات، قدمت المقاومة نفسها بوصفها امتداداً لهذا النهج في مواجهة المشروع الصهيوني الذي وصفته بأنه مشروع وجودي يستهدف الأرض والهوية والإنسان معاً.
هذه الخلفية الفكرية كانت ضرورية لفهم الرسالة السياسية التي جاءت لاحقاً في خطاب محمد رعد، لأن الرجل لم يبدأ من النقاش التقني حول التفاوض أو السلاح، بل من سؤال أكبر: ما الذي تغيّر بعد الاتفاق؟ وما الذي يجب أن يفعله لبنان؟
الاتفاق ليس لإخضاع لبنان
أبرز ما جمع الخطابين هو اعتبار أن الاتفاق الذي أنهى حالة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لا ينبغي أن يتحول إلى أداة ضغط على لبنان أو على المقاومة.
فالشيخ نعيم قاسم رأى أن المرحلة الجديدة يجب أن تُستثمر لتحقيق الأهداف اللبنانية المتمثلة بوقف العدوان، وانسحاب الاحتلال، وإعادة الأسرى، وعودة الأهالي، والإعمار. أما محمد رعد فذهب أبعد من ذلك عندما دعا السلطة إلى قراءة وثيقة التفاهم بدقة، معتبراً أن أمام العدو مهلة زمنية محددة للانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية والالتزام بوقف الأعمال العدائية، من دون أي حاجة إلى تفاوض مباشر معه.
في هذه النقطة تحديداً يظهر جوهر الرسالة السياسية للمقاومة: الاتفاقات الدولية والإقليمية يجب أن تُستخدم لإلزام العدو بتعهداته، لا لإجبار لبنان على تقديم تنازلات جديدة.
معركة السردية والسيادة
تكشف الكلمتان عن معركة أخرى لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية، هي معركة السردية السياسية. فالشيخ نعيم شدد على ضرورة عدم ربط المطالب السيادية اللبنانية بأي ملف داخلي، معتبراً أن الاحتلال والاعتداءات هما القضية الأولى التي يجب أن تتصدر جدول الأعمال الوطني.
وجاء محمد رعد ليترجم هذا الموقف سياسياً عندما دعا السلطة إلى عدم الانخراط في أي مسار يجعل مطالب العدو جزءاً من النقاش اللبناني الداخلي، محذراً من التوغل في استهداف المقاومة تحت أي عنوان أو ضغط.
بهذا المعنى، فإن المقاومة تحاول إعادة ترتيب الأولويات الوطنية وفق معادلة واضحة: الاحتلال أولاً، واستعادة السيادة أولاً، أما النقاشات الداخلية فتُبحث بين اللبنانيين أنفسهم ضمن الأطر الدستورية والميثاقية.
فشل الحرب وسقوط الأهداف
في الخطابين معاً يبرز إصرار واضح على أن الحرب الأخيرة لم تحقق أهدافها الأساسية. فالشيخ نعيم تحدث عن كسر المشروع الصهيوني ومنع تحقيق أهدافه الاستراتيجية رغم حجم التضحيات. أما محمد رعد فأعلن بشكل مباشر أن الحرب الهادفة إلى القضاء على المقاومة قد فشلت ولن تنجح.
لا يتعلق الأمر هنا بإنكار حجم الخسائر أو التقليل من آثار الحرب، بل بطريقة مختلفة لتقييم النتائج. فالمعيار الذي تعتمده المقاومة ليس حجم الدمار الذي وقع، بل مدى نجاح العدو في فرض شروطه أو تغيير المعادلات التي خاض الحرب من أجلها.
ومن هذا المنطلق، ترى المقاومة أن مجرد استمرار قدرتها على الفعل والحضور والتأثير بعد الحرب هو بحد ذاته دليل على فشل المشروع المقابل.
دعوة للحوار لا للاستسلام
ورغم اللغة الحادة تجاه العدو والضغوط الخارجية، حمل الخطابان دعوة واضحة إلى الحوار الداخلي. فالشيخ نعيم دعا رئيس الجمهورية والسلطة السياسية إلى جمع الكلمة وإدارة نقاش هادئ حول القضايا الوطنية، مؤكداً الاستعداد للتعاون. ومحمد رعد شدد بدوره على استعداد المقاومة للتفاهم الوطني الداخلي حول كل ما يحفظ أمن لبنان واستقراره ومصلحته السيادية.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل السياسية للمرحلة المقبلة: المقاومة لا تطرح نفسها بديلاً عن الدولة، لكنها ترفض أن تتحول الدولة إلى أداة لتنفيذ ما عجز العدو عن تحقيقه بالحرب.
لبنان أمام مفترق جديد
ما بين كلمة الشيخ نعيم قاسم وموقف محمد رعد تتبلور رؤية سياسية متكاملة للمرحلة المقبلة. رؤية تعتبر أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة بعد التفاهم الأميركي ـ الإيراني، وأن لبنان يقف أمام فرصة لإعادة تثبيت حقوقه وسيادته، شرط ألا يبدد هذه الفرصة بالانقسامات الداخلية أو بالاستجابة للضغوط الخارجية.
والرسالة النهائية التي أرادت المقاومة إيصالها تبدو واضحة: إن زمن فرض الشروط بالقوة قد فشل، وإن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر وقف العدوان وانسحاب الاحتلال واستعادة الحقوق، لا عبر التفاوض على عناصر القوة اللبنانية أو تحويل الخلافات الداخلية إلى أوراق تفاوض بيد العدو.
بين خطاب النهج وخطاب السياسة، حاولت المقاومة أن ترسم للبنان خريطة طريق جديدة عنوانها: السيادة أولاً، والوحدة الوطنية ثانياً، وأما ما عجزت عنه الحرب فلن تحققه السياسة.
التعليقات مغلقة.