بالأرقام: الحرب في الشرق الأوسط.. الأسباب والتطورات والانعكاسات الإنسانية

أولًا: الجذور التاريخية للصراع

  1. اتفاقية سايكس-بيكو 1916
    أدّى تقسيم المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى إلى رسم حدود مصطنعة جمعت بين قوميات ومذاهب متعددة ضمن كيانات سياسية واحدة، مما أوجد توترات داخلية امتدت لعقود.
  2. القضية الفلسطينية 1948
    مثّل إنشاء دولة “إسرائيل” وتداعيات نكبة 1948 المحور المركزي للصراع العربي-الإسرائيلي، وأسفر عن عدة حروب رئيسية وحركات مقاومة متعاقبة.
  3. عامل الطاقة
    أدّى اكتشاف النفط والغاز بكميات كبيرة في منطقة الخليج العربي إلى تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة تنافس دولي على مصادر الطاقة والنفوذ الاستراتيجي.

ثانيًا: أبرز بؤر الصراع وانعكاساتها الإنسانية 2023-2026

  1. الفلسطينيون – قطاع غزة والضفة الغربية
    بحسب وزارة الصحة في غزة ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، بلغ عدد الشهداء والجرحى الفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى 11 فبراير 2026، 72,045 شهيدًا و171,686 جريحًا. تشير دراسات تحققت منها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان OHCHR إلى أن 70% من الشهداء داخل المباني السكنية هم من النساء والأطفال، وتقدّر نسبة المدنيين من إجمالي الشهداء بنحو 83%.

وفي الضفة الغربية، سجّلت OCHA استشهاد أكثر من 1,300 فلسطيني على يد القوات الإسرائيلية أو المستوطنين خلال الفترة 2026-2023.

أمّا اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، فقد نزح أكثر من 35% من سكان المخيمات الثلاثة في صور: الرشيدية والبص وبرج الشمالي منذ بداية الحرب الأخيرة، وهذه المخيمات تضم نحو 28 ألف نسمة.

  1. السوريون – اللجوء والعودة
    تسببت الحرب السورية منذ 2011 بنزوح غير مسبوق. ووفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان نحو 880 ألفًا، بينما تشير التقديرات اللبنانية إلى أن العدد الكلي يقارب 1.5 مليون لاجئ.

بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، عاد نحو 1.6 مليون سوري من الخارج إلى بلادهم حتى نيسان/ أبريل 2026، إضافة إلى 1.9 مليون نازح داخلي عادوا إلى مناطقهم. إلا أن أقل من ربع الـ4.7 مليون لاجئ سوري المقيمين في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر عادوا إلى هذه الدول حتى أيلول/ سبتمبر 2025، بسبب نقص السكن والخدمات وفرص العمل.

  1. اللبنانيون – تداعيات الحرب الأخيرة
    تأثر لبنان بشكل مباشر بالعدوان الإسرائيلي المُبيَّت سلفًا، فقد أدّى إلى نزوح واسع من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية، مع توقف أكثر من 80% من الأسواق في جنوب لبنان والنبطية عن العمل، جراء الاعتداءات الإسرائيلية الممنوحة بيد وسلاحٍ أميركيَّين، وتواطؤ داخلي على المقاومة وأهلها في مختلف الأوجه وصل إلى حد التمييز الطائفي القميء الكريه، الذي تمارسه مؤسسات الدولة الرسمية (المساعدات/إيجارات النزوح/التعليم…).

على الصعيد الإغاثي، وصل برنامج الغذاء العالمي إلى أكثر من 700 ألف شخص بوجبات ساخنة وحصص غذائية، ودعم نحو 215 ألف نازح في أكثر من 500 مركز إيواء، بالإضافة إلى مساعدات نقدية لنصف مليون لبناني و100 ألف لاجئ سوري. وارتفعت أسعار الخضار 20% والخبز 15% مع تصاعد القتال.

ثالثًا: العوامل المشتركة المؤدية إلى استمرار الصراعات
التنافس على النفوذ الإقليمي: تسعى قوى إقليمية مثل تركيا والمملكة العربية السعودية و”إسرائيل”، إلى جانب قوى دولية كالولايات المتحدة وروسيا، إلى توسيع نفوذها عبر وكلاء محليين.
الاستقطاب المذهبي والقومي: يُستخدم الانقسام السنّي-الشيعي والعربي-الكردي وغيرهما كأدوات تعبئة سياسية، ما يعمّق الشروخ المجتمعية.
الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: البطالة والفقر وندرة الموارد المائية وفساد الإدارة تخلق بيئة خصبة للاحتقان والعنف.

رابعًا: العدوانية الإسرائيلية وتداعياتها
تشير تقارير منظمات حقوقية ودولية إلى نمط من العمليات العسكرية واسعة النطاق أسفرت عن خسائر بشرية مدنية كبيرة. فبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة حتى 3 أيار/ مايو 2026، بلغ إجمالي الشهداء 73,770 فلسطينيًا، منهم 21,283 طفلًا أي ما نسبته 29.3% من إجمالي الشهداء.

منظمة العفو الدولية Amnesty International خلصت في تقرير صدر بتاريخ 5 كانون الأول/ ديسمبر 2024 إلى أن “إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة” استنادًا إلى نمط استشهاد المدنيين وتدمير البنية التحتية ومنع المساعدات. كما وثّقت هيومن رايتس ووتش HRW في تقريرها العالمي 2024 “استخدام إسرائيل المفرط للقوة القاتلة” وارتفاع وفيات الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى 464 شهيدًا، بينهم 109 أطفال، خلال عام 2023، وهو أعلى رقم منذ بدء الأمم المتحدة توثيق الوفيات عام 2005.

خامسًا: الخلافات الإسرائيلية الداخلية ونتائجها الإقليمية والدولية

  1. مظاهر الخلاف الداخلي
    يشهد الداخل الإسرائيلي انقسامات حادة منذ تشكيل “الحكومة السابعة والثلاثين” في كانون الأول/ ديسمبر 2022، الموصوفة بأنها “الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل”. أبرز مظاهر الخلاف:

أزمة الإصلاح القضائي 2025-2023: أدّت محاولات الحكومة تعديل صلاحيات المحكمة العليا إلى موجة احتجاجات واسعة استمرت أشهرًا، وعادت بقوة بسبب ملفات الأسرى ومحاولات نتنياهو إقالة المستشارة القضائية للحكومة غالي بهاراف-ميارا ورئيس الشاباك رونين بار.

انقسامات حكومة الحرب: ظهرت خلافات علنية بين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت، ونقلت صحيفة هآرتس عن يائير لابيد قوله إن “اجتماعات مجلس الحرب تحوّلت إلى ساحة تصفية حسابات لا تؤدي إلى أي نتيجة”. وفي حزيران/ يونيو 2024 انسحب بيني غانتس من المجلس، فحلّه نتنياهو واستبدله بـ”مجلس مطبخ” أضيق.

تفكك الائتلاف الحكومي: انسحبت أحزاب من الحكومة تباعًا: حزب “عوتسما يهوديت” في كانون الثاني/ يناير 2025، ثم غادرت “يهودوت هتوراة” وشاس الحكومة في تموز/ يوليو 2025 بسبب قانون التجنيد.

  1. تحليل النتائج على محاور العلاقات
    العلاقات الإسرائيلية – الخليجية: أبطأت الانقسامات الداخلية وتصاعد الخطاب اليميني المتطرف وتوسيع الاستيطان، الذي بلغ 12,855 وحدة استيطانية جديدة في النصف الأول من 2023 وهو الأعلى منذ 2012، من وتيرة التطبيع. ومع اندلاع حرب غزة وتجاوز عدد الشهداء 72 ألف شهيد، تجمّدت عمليًا أي خطوات تطبيع إضافية. السعودية ربطت التطبيع رسميًا بإقامة مسار “لا رجعة فيه” للدولة الفلسطينية، بينما ركّزت الإمارات والبحرين على إدارة العلاقة الحالية دون توسيع، خشية فقدان الشرعية الشعبية.

العلاقات الخليجية – الأميركية: انقسام النخبة الإسرائيلية وتعثر مجلس الحرب دفع واشنطن إلى لعب دور “وسيط مُرهق” بين تل أبيب والرياض. تباطأت المفاوضات حول اتفاق دفاعي أميركي-سعودي كان يُفترض أن يكون ثمنه تطبيعًا مع “إسرائيل”، ما دفع الخليج لتنويع شراكاته مع الصين وروسيا، فقلّل من النفوذ الأميركي التقليدي.

العلاقات الأميركية – الإسرائيلية في عهدي ترامب ونتنياهو: في عهد ترامب 2021-2017 كانت العلاقة في أوج تقاربها باعترافه بالقدس والجولان ورعايته اتفاقات إبراهام. أما في العهد الحالي 2026-2022، فرغم الدعم العسكري الأميركي غير المسبوق، اتسمت العلاقة بتوتر غير معلن. حكومة ائتلافية هشّة تضم أحزابًا يمينية متطرفة ومحاولات إقالة كبار المسؤولين جعلت واشنطن تشك في قدرة القيادة الإسرائيلية على اتخاذ قرارات استراتيجية متماسكة، فتحوّلت العلاقة من “تحالف قيم” إلى “تحالف مصالح ظرفي” تحكمه أزمات إدارة الحرب.

سادسًا: الخاتمة التحليلية
تكشف قراءة مجمل المعطيات أن حروب الشرق الأوسط ليست قدرًا جغرافيًا، بل نتاج تراكم تاريخي من التقسيمات المصطنعة، ومصالح قوى إقليمية ودولية متنافسة، وفشل مؤسسي في بناء دول قائمة على المواطنة وسيادة القانون. الأرقام التي سقتها -من 72 ألف شهيد فلسطيني، إلى 1.5 مليون لاجئ سوري في لبنان، إلى 700 ألف لبناني تلقوا مساعدات غذائية- تؤكد أن الكلفة البشرية الأكبر يدفعها المدنيون، وتحديدًا النساء والأطفال والشيوخ.

أما الخلافات الإسرائيلية الداخلية، فهي ليست مجرد أزمة سياسة داخلية، بل متغير استراتيجي يعيد تشكيل المنطقة. إذ أضعفت قدرة “إسرائيل” على أن تكون شريكًا موثوقًا لمشروع التطبيع الخليجي، وأرهقت الولايات المتحدة في إدارة تحالفاتها، وحوّلت العلاقة الثنائية مع واشنطن إلى علاقة براغماتية مشروطة بمسار الحرب. بالتالي، أي أفق للاستقرار المستدام يبقى مرهونًا بثلاثة شروط متلازمة: معالجة القضية الفلسطينية كلبّ الصراع وليس كتفصيل جانبي، وبناء أنظمة إقليمية عادلة قادرة على احتواء التنوع دون قمعه، وتوافق دولي-إقليمي يضع أمن الإنسان قبل أمن الأنظمة. ما دون ذلك، ستظل المنطقة تدور في حلقة مفرغة: حرب تليها هدنة، وهدنة تمهّد لحرب أشد.

قائمة المصادر والمراجع
United Nations OCHA, Humanitarian Situation Updates on Gaza, 2024-2026.
Gaza Health Ministry, Casualty Statistics, May 2026.
OHCHR, Verified Fatality Analysis, 2025.
UNHCR, Syria Regional Refugee Response, 2025-2026.
World Food Programme, Lebanon Emergency Response, 2025.
Amnesty International, “You Feel Like You Are Subhuman”: Israel’s Genocide Against Palestinians in Gaza, 5 Dec 2024.
Human Rights Watch, World Report 2024: Israel and Palestine.
Wikipedia, Thirty-seventh government of Israel, updated 2026.
Haaretz, Reports on War Cabinet Disputes, Jan 2025.
Peace Now, Settlement Expansion Data, First Half 2023.

التعليقات مغلقة.