أظهرت دراسة نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية للباحث سيف الدين يوسف عودة أن ودائع العملاء في قطاع غزة ارتفعت بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتصل إلى نحو 5.7 مليارات دولار في أيار/مايو 2026، رغم الانهيار الواسع الذي أصاب الاقتصاد والقطاعات الإنتاجية في القطاع. وتخلص الدراسة إلى أن هذا الارتفاع لا يعكس تحسناً اقتصادياً أو زيادة في الادخار، بل يرتبط بتحولات مالية فرضتها الحرب وأدت إلى انتقال جزء كبير من الأموال من الأسر إلى فئات محدودة من التجار والشركات.
وبحسب الدراسة، بلغت ودائع العملاء في المصارف المرخصة في قطاع غزة نحو 1.6 مليار دولار في أيلول/سبتمبر 2023، قبل أن ترتفع إلى 5.7 مليارات دولار في أيار/مايو 2026، بزيادة تقارب 4.1 مليارات دولار خلال 32 شهراً من الحرب.
3 عوامل وراء ارتفاع الودائع
تعزو الدراسة الزيادة في الودائع إلى ثلاثة مصادر رئيسية، أولها تراكم الرواتب والأجور نتيجة توقف السحب النقدي من المصارف، بالتزامن مع التحول الواسع إلى وسائل الدفع الإلكتروني، ما أبقى الأموال داخل الدورة المصرفية بدلاً من خروجها نقداً.
أما العامل الثاني، فيتمثل في تراكم المساعدات والتبرعات والتحويلات النقدية خلال الحرب، بما في ذلك التحويلات المقدمة للأفراد والأسر، وتمويل المشاريع الإنسانية، وتحويلات الأقارب والأصدقاء من الخارج، والتبرعات التي جُمعت عبر الجمعيات والمبادرات الإغاثية.
ويرتبط العامل الثالث بتقلب سعر صرف الدولار مقابل الشيكل، إذ تُحوّل البنوك أرصدة العملات الأخرى إلى الدولار عند إعداد بياناتها، ما أدى إلى زيادة القيمة الدولارية لودائع الشيكل خلال فترة الحرب.
انتقال الأموال إلى الشركات والتجار
وترى الدراسة أن الأموال التي دخلت حسابات الأفراد عبر الرواتب والمساعدات لم تتحول بالضرورة إلى مدخرات، بل انتقلت في جانب كبير منها إلى حسابات التجار والشركات عبر الإنفاق الاستهلاكي، في ظل الاحتكار والقيود المفروضة على إدخال السلع وأزمة السيولة النقدية.
وتشير البيانات إلى ارتفاع ودائع الشركات في قطاع غزة من نحو 317.7 مليون دولار في أيلول/سبتمبر 2023 إلى حوالي 1.3 مليار دولار في أيار/مايو 2026، أي بزيادة صافية تقارب مليار دولار. وترى الدراسة أن هذه الزيادة تمثل مؤشراً على تراكم فوائض مالية استثنائية لدى عدد محدود من الشركات التي تمكنت من الاستمرار في النشاط خلال الحرب.
وتوضح الدراسة أن عدداً محدوداً من الشركات استحوذ على الحصة الأكبر من التدفقات المالية، مشيرة إلى أن آلية إدخال البضائع التي فرضها الاحتلال سمحت لعدد قليل جداً من شركات القطاع الخاص بإدخال السلع التجارية إلى غزة.
2 مليار دولار في “التنسيقات الأمنية”
وتشير الدراسة إلى أن إحدى قنوات تسرب الأموال من الحسابات المصرفية تمثلت في دفع أثمان البضائع المستوردة، والتي قدرت خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى أيار/مايو 2026 بنحو 1.2 مليار دولار.
كما تتحدث الدراسة عن مبالغ مرتبطة بما تسميه “التنسيقات الأمنية” لإدخال البضائع التجارية، مقدرة قيمتها بنحو 1.2 مليار دولار حتى كانون الأول/ديسمبر 2025، وبنحو 1.5 مليار دولار حتى أيار/مايو 2026.
وتصل الدراسة، استناداً إلى تقديرات غرفة تجارة وصناعة وزراعة غزة، إلى أن قيمة هذه المدفوعات غير القانونية بلغت نحو ملياري دولار حتى 26 تموز/يوليو، معتبرة أنها شكلت استنزافاً لموارد الاقتصاد الغزي خلال الحرب.
ارتفاع الودائع لا يعني تحسن الاقتصاد
وتخلص الدراسة إلى أن الارتفاع الكبير في ودائع العملاء لا يعكس تحسناً اقتصادياً أو ارتفاعاً في الادخار، بل يعكس تحولاً في مسار الأموال داخل الاقتصاد الغزي، حيث انتقلت مداخيل الأسر والمساعدات والتبرعات، عبر الإنفاق، إلى حسابات فئات محدودة من التجار والشركات التي تمكنت من السيطرة على أجزاء من السوق.
وبحسب الباحث، فإن هذا التحول ترافق مع تراجع مستويات المعيشة واستنزاف مدخرات المواطنين، في وقت تركزت فيه مئات الملايين من الدولارات في حسابات فئات مرتبطة باقتصاد الحرب.
الخلاصة
وتشير الدراسة إلى مفارقة اقتصادية لافتة في قطاع غزة: ارتفاع الودائع المصرفية بالتزامن مع انهيار الاقتصاد وتدهور مستويات المعيشة. ووفق نتائجها، فإن نمو الودائع يعكس بدرجة كبيرة إعادة توزيع للأموال داخل اقتصاد الحرب، وليس تراكم ثروة جديدة أو تحسناً في النشاط الاقتصادي.