الاشتباك المستمر: مرحلة ما بعد التسويات

منذ اللحظة الأولى التي يُطرح فيها أي حديث عن اتفاق أو تسوية أو وقفٍ لإطلاق النار، يندفع كثيرون إلى التعامل مع المشهد وكأنّ الحرب قد انتهت، وكأنّ الاحتلال سيغادر الأرض في اليوم التالي، مطأطئ الرأس، تاركًا خلفه كل ما اغتصبه من حقوقٍ وأرضٍ وأسرى. غير أنّ هذه النظرة لا تنسجم مع طبيعة الصراعات الكبرى، ولا مع تاريخ هذا العدو الذي لم يتخلَّ يومًا عن مكسبٍ إلا تحت الضغط، ولم ينسحب من أرضٍ إلا بعدما اقتنع بأنّ كلفة البقاء أصبحت أعلى من كلفة الرحيل.

لهذا السبب، فإنّ من الخطأ بناء توقّعاتٍ شعبية على أساس أنّ الانسحاب الكامل سيحدث بصورة فورية ومباشرة منذ الأيام الأولى لأي اتفاق محتمل. فالانسحاب بالنسبة إلى “إسرائيل” ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل اعترافٌ بالفشل السياسي والعسكري، ومحاولةُ تجنّب هذا الاعتراف ستبقى حاضرةً في كل خطوة وكل تفصيل. سيُناور الاحتلال، وسيُماطل، وسيحاول كسب الوقت، وسيبحث عن ثغراتٍ تسمح له بالحفاظ على أكبر قدرٍ ممكن من أوراق القوة والضغط. هذه ليست قراءة تشاؤمية، بل توصيفٌ واقعي لسلوكٍ أثبتته التجارب المتراكمة.

في المقابل، فإنّ السقف المرتفع الذي ترفعه المقاومة حين تتحدث عن انسحابٍ كامل، وعن تحرير الأسرى، وعن إزالة كل أثرٍ للاحتلال من الأرض اللبنانية، ليس خطابًا دعائيًا ولا أحلامًا تُلقى في الهواء لإرضاء الجمهور، لكنه أيضًا ليس وعدًا سحريًا بأنّ كل هذه الأهداف ستتحقق بمجرد توقيع اتفاق أو صدور بيان.

إنّ قيمة السقف المرتفع تكمن في كونه يحدّد نقطة الانطلاق لا نقطة الوصول. فحين تعلن المقاومة أنّ هدفها هو الانسحاب الكامل للعدو من آخر شبرٍ محتل، وتحرير آخر أسير، وإزالة آخر اعتداء على السيادة اللبنانية، فهي ترسم الإطار الذي ستخوض ضمنه معركة المرحلة التالية. إنها تقول بوضوح إنّ الحقوق الكاملة هي المعيار، وإنّ أي خطوةٍ ناقصة ستبقى ناقصة مهما جرى تجميلها أو تسويقها.

وفي السياسة كما في الحرب، لا تُنتزع الحقوق دفعةً واحدة بالضرورة. أحيانًا تُفرض الوقائع على مراحل، وأحيانًا تُستكمل الإنجازات عبر مساراتٍ متراكمة من الضغط والمواجهة. ولذلك فإنّ السؤال الحقيقي ليس: هل ستتحقق هذه الأهداف كلها في اليوم الأول؟ بل: هل بقيت هذه الأهداف هي البوصلة النهائية؟ وهل ما زالت القوى المعنية مستعدةً للنضال من أجلها مهما طال الزمن؟ وهنا يكمن جوهر المسألة.

إنّ المقاومة حين تتعامل مع أي مسارٍ سياسي محتمل، لا تفعله من موقع العاجز أو المأزوم أو الباحث عن مخرجٍ بأي ثمن. فلو لم يكن هناك أفقٌ يمكن العمل عليه بعد الاتفاق، ولو لم يكن هناك مجالٌ لاستكمال الضغط وتحقيق المكاسب، لما كان لهذا الخيار أن يحظى بأي اعتبار أساسًا. إذ لا أحد يفرض على المقاومة خياراتها، ولا أحد يملك القدرة على إجبارها على القبول بما تراه انتقاصًا من الحقوق الوطنية.

ومن هنا، فإنّ مرحلة ما بعد الاتفاق، لن تكون مرحلة استسلام أو استرخاء أو إقفالٍ للملفات، بل ستكون مرحلة اشتباكٍ بأدواتٍ مختلفة. ستنتقل المواجهة من ساحاتٍ إلى ساحات، ومن أشكالٍ إلى أشكال، لكن جوهرها سيبقى قائمًا. فالضغط السياسي، والضغط الشعبي، والضغط القانوني، والضغط الإعلامي، كلها أدواتٌ يمكن أن تتحول إلى عناصر قوة حقيقية عندما تكون مدعومةً بإرادةٍ واضحة وبمعادلة ردعٍ قائمة.

بل يمكن القول إنّ أحد أهم التحولات التي قد تلي أي اتفاق هو تضييق هامش المناورة أمام الاحتلال وتوسيع هامش الحركة أمام المقاومة. ففي زمن الحرب المفتوحة، يمتلك العدو ذرائع كثيرة لتبرير أفعاله وعدوانه. أما بعد الاتفاق، فإنّ أي خرقٍ أو مراوغة أو محاولة تنصّل تتحول إلى عبءٍ سياسي وقانوني عليه، وتمنح الطرف المقابل أدواتٍ إضافية للمواجهة والضغط.

أما أولئك الذين يوزّعون المواعيد الحاسمة والوعود المطلقة والتهديدات غير المحسوبة، ويقدّمون للناس صورةً مبسّطة عن صراعٍ شديد التعقيد، فإنّهم لا يخدمون الحقيقة ولا القضية. فالشعبوية قد تمنح صاحبها تصفيقًا سريعًا، لكنها ترفع سقوف التوقعات بصورةٍ مصطنعة، ثم تترك الناس أمام خيباتٍ كان يمكن تجنبها لو جرى التعامل مع الوقائع بعقلانية ومسؤولية.

لا أحد يستطيع أن يحدد بدقة متى تتحقق الأهداف النهائية. ربما تتسارع الأحداث خلال أسابيع، وربما يحتاج الأمر إلى أشهرٍ طويلة من التجاذب والضغط والتحديات. لا أحد يملك علم الغيب، ولا أحد يستطيع تقديم ضماناتٍ مطلقة. لكن ما يمكن الجزم به هو أنّ الخيارات الاستراتيجية الكبرى ما زالت واضحة وثابتة: لا شرعية للاحتلال، ولا قبول ببقائه، ولا تسليم بالأمر الواقع مهما كانت الضغوط.

وفي نهاية المطاف، فإنّ الرهان على أي مسارٍ سياسي لا يجب أن يُفهم باعتباره تراجعًا عن الثوابت أو خوفًا من المواجهة، بل باعتباره محاولةً لتحقيق الأهداف الوطنية بأقل قدرٍ ممكن من التضحيات البشرية والأثمان الاجتماعية والاقتصادية.

فحماية الناس ليست نقيضًا للمقاومة، والحرص على الدماء ليس تنازلًا عن الحقوق، والسعي إلى انتزاع المكاسب عبر أدواتٍ متعددة ليس ضعفًا ما دامت الإرادة والقدرة على المواجهة ما زالتا قائمتين.

لهذا كلّه، فإنّ السؤال ليس إن كان الصراع سينتهي مع الاتفاق، بل كيف ستُدار المرحلة التالية منه. أما الجواب الذي يبدو ثابتًا حتى الآن، فهو أنّ ما بعد الاتفاق لن يكون نهاية المعركة، بل فصلًا جديدًا منها، تُستكمل فيه المواجهة بأدواتٍ أخرى، حتى استعادة الحقوق كاملةً غير منقوصة، وحتى يصبح الاحتلال جزءًا من الماضي لا جزءًا من الحاضر أو المستقبل.

تنويه: الآراء الواردة في المقالات الخاصة لا تعبر بالضرورة عن موقف إدارة الموقع.
اسرائيلحزب اللهلبنان