“أولو البأس” و”العصف المأكول”: قراءة مقارنة في سياق الحربين وأبعادهما

تشهد الساحة اللبنانية والإقليمية منذ اندلاع المواجهة التي أطلق عليها حزب الله اسم “العصف المأكول” نقاشًا واسعًا حول أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين معركة “أولو البأس” التي شهدتها المنطقة خلال عام 2024. ورغم وحدة الأطراف المنخرطة في الصراع، فإن المعطيات السياسية والعسكرية والاستراتيجية المحيطة بالحربين تكشف عن اختلافات جوهرية في الظروف والأهداف وطبيعة إدارة المواجهة.

ظروف مختلفة وسياقات متباينة
جاءت معركة “أولو البأس” في مرحلة واجه فيها حزب الله ضغوطًا عسكرية وأمنية كبيرة، بعد سلسلة من الضربات التي استهدفت قياداته وبنيته التنظيمية والعسكرية. وفي تلك المرحلة، تمحورت أهداف الحزب حول الحفاظ على تماسك بنيته العسكرية ومنع إسرائيل من فرض وقائع ميدانية جديدة، خصوصًا في جنوب لبنان، إضافة إلى إثبات القدرة على الصمود والاستمرار رغم حجم الاستهداف.

أما المواجهة الحالية، “العصف المأكول”، فتجري ضمن سياق إقليمي أكثر تعقيدًا واتساعًا، حيث تتداخل التطورات الميدانية مع الحسابات السياسية والاستراتيجية المرتبطة بمجمل التوازنات الإقليمية. وبذلك تتجاوز أبعاد الحرب حدود الساحة اللبنانية لتصبح جزءًا من مشهد أوسع يتصل بمسارات الصراع والتحولات الجارية في المنطقة.

مؤشرات على استمرارية القدرات العسكرية
تُظهر الوقائع الميدانية خلال الحرب الحالية استمرار قدرة حزب الله على تنفيذ عمليات عسكرية وإطلاق رشقات صاروخية مكثفة، رغم الخسائر التي تعرض لها خلال السنوات الماضية. وقد دفع ذلك عددًا من المتابعين إلى اعتبار أن الحزب تمكن من إعادة ترميم أجزاء مهمة من قدراته التنظيمية والعملياتية، بما يسمح له بالحفاظ على مستوى من الفاعلية العسكرية في المواجهة.

كما يلاحظ مراقبون تطورًا في أساليب إدارة المعركة، من خلال اعتماد مزيج متنوع من الوسائل والتكتيكات العسكرية، بما يعكس محاولة للتكيف مع المتغيرات الميدانية والاستفادة من الخبرات المتراكمة خلال المواجهات السابقة.

اختلاف في الأهداف السياسية
يبرز الجانب السياسي كأحد أهم عناصر التمايز بين الحربين. ففي “أولو البأس”، انصبّ التركيز بصورة أساسية على الساحة اللبنانية وعلى منع تحقيق أهداف إسرائيلية مرتبطة بالواقع الميداني داخل لبنان.

في المقابل، تبدو “العصف المأكول” مرتبطة بشكل أوضح بالمعادلات الإقليمية الأوسع، حيث تتقاطع مع ملفات سياسية وأمنية تتجاوز الحدود اللبنانية، وتشمل توازنات القوى في المنطقة ومسارات التفاوض والصراع الدائرة على أكثر من جبهة.

دلالات التحول
تعكس المقارنة بين الحربين تحولًا في طبيعة التحديات التي يواجهها حزب الله وفي الرسائل التي يسعى إلى إيصالها. فبعد أن كانت الأولوية في مرحلة “أولو البأس” تثبيت القدرة على الصمود والحفاظ على البنية التنظيمية والعسكرية، تبدو المواجهة الحالية محاولة لإثبات استمرار الحضور والتأثير ضمن معادلات الصراع الإقليمي رغم الضغوط والتحديات القائمة.

ومع استمرار التطورات الميدانية والسياسية، يبقى من المبكر إصدار أحكام نهائية بشأن نتائج “العصف المأكول”. إلا أن المقارنة بين الحربين تكشف بوضوح انتقال المواجهة من إطار يركز على الدفاع عن الواقع الميداني اللبناني إلى سياق أوسع يتصل بإعادة رسم التوازنات الإقليمية، وهو ما ستتحدد أبعاده النهائية وفق مآلات الحرب وما ستنتجه من وقائع سياسية وعسكرية جديدة في لبنان والمنطقة.

تنويه: الآراء الواردة في المقالات الخاصة لا تعبر بالضرورة عن موقف إدارة الموقع.
العصف الماكولالمقاومةاولو البأسحزب الله