الضاحية.. ديرةُ الوفاءِ للسيّد

ثَمّة ترابٌ لا يكتفي بكونه ذرّاتٍ من طين، بل هو سجلٌّ ممهورٌ بالدم، وشاهدُ عيانٍ على حكاية أمّةٍ رفضت الانحناء. نحن هنا لا نقف على مجرّد أطلال، بل في محراب المقاومة؛ في الضاحية الجنوبية، أو كما باتت تُعرف اليوم بـ «ديرة السيّد حسن».

أرادوا لها أن تكون ساحةً للتفلّت، وحاولوا جاهدين تنميطها بصورٍ غريبةٍ عن جوهرها، وأرادوا إلباسها ثيابًا لا تشبه طهرها؛ لكنها بقيت بأسوارها الإيمانية أرضًا مقدّسةً ترفض الزيف، وتتوضّأ بدم من رووها بصدقهم. هي تلك البقعة التي تشرّفت بأن تكون عاصمةً لجهاد المقاومين، وملاذًا للأوفياء، ومنطلقًا لانتصاراتٍ غيّرت وجه التاريخ. هنا تتنفّس جدرانها عزّةً، وتتجلّى فيها “الخمينية” بأبهى حللها، ويفوح من زواياها عبق الشهداء وصورهم.

تقودني قدمايَ بمهابةٍ إلى رمزية هذا المكان. هنا، حيث كان مبنى «الأمانة العامة»، يمرّ شريط الذكريات سريعًا؛ أتذكّر مروري بجانبه طفلًا يحمل كرته، أعبر بوابةً كبيرةً يحرسها رجالٌ بثيابهم السوداء، وفي الداخل كان السيّد. لم يكن ذاك المبنى مجرّد مكاتب وجدران، بل كان “غرفة عمليات القلوب”، ومنطلق الإرادة التي لا تُكسر؛ ففي فنائه تحوّلت كلمات الشهيد الأقدس إلى أفعال، والمواقف إلى تاريخٍ من الأمجاد.

وإذا أرهفتَ السمع في منطقة «الشورى»، ستسمع صدى الهتافات لا يزال يتردّد؛ هنا استُقبل أبطال عملية «بيت ياحون» حين عادوا بحصاد نصرهم، وهنا أيضًا ما زال صدى “جبروتهم تحت قدميك” يتردّد في مسمعي. ولا يزال التاريخ يذكر تلك اللحظة المهيبة حين مرّت الغنيمة يقودها شهيد “أولي البأس” (أبو زينب) بين الجموع؛ لم تكن مجرّد «ملّالة» إسرائيلية، بل كانت برهانًا حيًّا على أن مشيئة الله تجلّت فوق جنزير العدو المكسور.

هنا شُيّع الشهداء، وهنا هتفنا: “يا الله، يا الله، احفظ لنا نصر الله”. هنا حُملتُ لأنال قبلةً على خدي الأيمن في تبريكات نجل الأمين العام، والجموعُ تتقاطر لتقول للأمين: “كلنا هادي يا أبا هادي”. هنا استقبل السيّد الأسرى المحرَّرين من معتقل الخيام، معلنًا اندحار آخر جندي من لبنان فجرَ ذلك اليوم. وفي ذات البقعة التي حاول الإرهاب الصهيوني مسحها من الوجود، من حرب تموز 2006 وصولًا إلى حربي 2024 و2026، تنبت الحياة اليوم من بين الشقوق. ترى ضحكات أطفالٍ يلعبون الكرة وسط الركام؛ كلّ ركلةٍ منهم هي إعلان بقاء، وكلّ ضحكةٍ هي رصاصةٌ في صدر العدوان. ترى امرأةً بوقار الأنبياء تقف أمام بيتها المنكوب وتردّد: «فداءً للمقاومة»، وبجوارها رجلٌ يزيح غبار الحرب عن عتبة محلّه المهدّم بيده المتعبة، ويقول بيقين: «سنعود لافتتاحه قريبًا… المهم أن رؤوسنا ظلّت مرفوعة».

إنّ هذه المقاومة لم تكن يومًا حبيسة حدودٍ جغرافية، بل هي نبضٌ عابرٌ للأقطار؛ من «مسيرة الأكفان» في العراق، إلى «قبضات عاشوراء» التي جسّدت نداء «ما تركتك يا حسين» دمًا في الميادين، وصولًا إلى الهتاف الدائم لفلسطين والقدس.

أمّا اللحظة التي انصهرت فيها الأرواح، فهي حين سرنا خلف «شهيدنا الأقدس» في موكبه الأخير. نظرنا إلى نعشه المحمول على أكتاف الشرف، وقلنا له بلسانٍ واحد، كما كنّا نقول في حياته: «لو خضتَ بنا هذا البحر لخضناه معك». لم تكن تلك مجرّد كلمات، بل كانت عهدًا صادقًا عبرنا به بحار الخوف والمؤامرات والتدمير، متمسّكين بذات النهج، وموقنين بأن الشهادة هي بوابة النصر الأكيد.

ستبقى هذه الأرض تنطق بأسماء المقاومين، وسيبقى الرأس مرفوعًا ما دام فينا طفلٌ يضحك وسط الركام، ورجالٌ يصنعون من المسيّرات عبورًا لمستقبلٍ واعدٍ بالنصر. هنا الضاحية، ديرة السيّد، عاصمة الكبرياء، وبلاطُ الشهداء التي لا تُهزم.