تصريح سامي الجميّل عن تقديم 300 شاب أميركي حياتهم في لبنان ليس مجرد تعبير عاطفي، بل هو محاولة مقيتة لإعادة كتابة مرحلة سوداء من تاريخ لبنان عبر سردية مزيّفة تُلمّع دورًا خارجيًا كان، في جوهره، جزءًا من المشكلة لا الحل. هذه ليست قراءة للتاريخ، بل عملية تبييض سياسي مفضوحة، تُستخدم فيها “التضحيات” كستار لإخفاء حقيقة الدور الأميركي وانحيازه الواضح.
من بكركي، حاول الجميّل تصوير الوجود الأميركي كأنه مهمة نبيلة لحماية السيادة. لكن هذا الطرح ينهار أمام أبسط حقائق التاريخ: الولايات المتحدة لم تأتِ إلى لبنان كجمعية خيرية، بل دخلت في قلب حرب أهلية مشتعلة، وعلى إيقاع اجتياح إسرائيلي دموي. تجاهل هذا السياق ليس سذاجة، بل تضليل متعمّد يخدم خطابًا سياسيًا متواطئًا مع رواية خارجية.
الدور الأميركي: انحياز لا حياد
القوات الأميركية، ضمن ما سُمّي “القوات المتعددة الجنسيات”، لم تكن يومًا قوة سلام محايدة. سرعان ما تحوّلت إلى طرف فعلي في الصراع، وارتبط وجودها بشكل وثيق بأجندات تخدم مصالح إسرائيل في لبنان والمنطقة. هذا الانحياز لم يكن خفيًا، بل تجلّى في مواقف وسياسات ساهمت في تعميق الانقسام الداخلي وإطالة أمد الصراع.
الحديث عن “حفظ الاستقرار” يبدو سخرية ثقيلة عندما نضعه مقابل الواقع: تدخلات عسكرية، اصطفافات واضحة، ودعم غير مباشر لمشاريع إقليمية على حساب السيادة اللبنانية. أي استقرار هذا الذي يُفرض من الخارج وبقوة السلاح؟
التضحيات لا تغسل الجرائم
إن تحويل سقوط جنود أميركيين في لبنان إلى شهادة حسن سلوك سياسي هو خداع فج. المعيار ليس سثوط قتلى أو عددهم، بل طبيعة الدور والنتائج التي خلّفها: مزيد من الفوضى، مزيد من الارتهان، ومزيد من الدم.
إعادة كتابة التاريخ: وقاحة سياسية
ما يقدّمه الجميّل ليس رأيًا، بل محاولة لإعادة صياغة الذاكرة الجماعية بما يخدم تموضعًا سياسيًا راهنًا. إنها عملية انتقاء وقح للوقائع: تجاهل للاجتياح الإسرائيلي، تهميش لدور القوى الخارجية، وتضخيم لرواية “الإنقاذ الأميركي” التي لا تصمد أمام أي تدقيق جدي.
السيادة ليست شعارًا يُرفع في الخطب، بل حقيقة تُقاس باستقلال القرار. وفي تلك المرحلة، كان القرار اللبناني مرتهنًا بشكل صارخ، والوجود الأميركي كان جزءًا من هذه المعادلة، لا عاملًا لتحريرها.
خاتمة
الوجود الأميركي في لبنان لم يكن قصة بطولة، بل فصلًا مظلمًا من تدخل خارجي منحاز، ارتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بدعم السياسات الإسرائيلية في المنطقة. اختزاله في “تضحيات” هو إهانة لذاكرة اللبنانيين وتشويه متعمّد للتاريخ. الذي يريد الحديث عن تلك المرحلة بصدق، عليه أن يسمّي الأشياء بأسمائها: تدخل، انحياز، وتكلفة باهظة دفعها لبنان وحده.