جنوب لبنان: بين “ستاتيكو” التسعينيات والواقع الراهن.. هل يُعيد التاريخ نفسه؟

​تستحضر المشهدية العسكرية والسياسية الراهنة في جنوب لبنان مناخات ما قبل عام 2000، حيث يُخيم على المنطقة “ستاتيكو” قلق؛ لا هو بالحرب الشاملة ولا هو بالسلم المستقر. نحن أمام حالة من “الجمود المتفجر” تُدار فيها المعارك ضمن قواعد اشتباك غير مكتوبة، محكومة بمنطق الفعل ورد الفعل، في صراع إرادات يهدف بالدرجة الأولى إلى تحويل “الأرض” من درع أمني للعدو إلى عبء استراتيجي يستنزف مقدراته.

​عقيدة “المصيدة” واستراتيجية الاستنزاف
​من وجهة نظر المقاومة، لم تكن القوة يوماً في موازين التسلح التقليدية فحسب، بل في القدرة على جعل بقاء العدو في حالة استنفار دائم ذات كلفة لا يمكن تحملها. في حقبة التسعينيات، نجحت هذه الاستراتيجية في تحويل “الحزام الأمني” من منطقة عازلة تحمي الجليل إلى “مصيدة يومية” استنزفت قدرات جيش الاحتلال ومعنوياته.

​اليوم، تسعى المقاومة لتكرار ذات المعادلة: “لا استقرار في الطرف الآخر ما لم يتحقق الاستقرار في لبنان”. إن الحفاظ على هذا الستاتيكو القلق ليس هدفاً بحد ذاته، بل هو وسيلة لضمان مقعد قوي على طاولة أي مفاوضات سياسية قادمة. فالمقاومة تؤمن أن الترتيبات الأمنية لن تُؤخذ على محمل الجد دولياً ما لم تكن مسنودة بواقع ميداني ضاغط، تماماً كما فرضت “تفاهمات نيسان 1996” اعترافاً دولياً بشرعية العمل المقاوم آنذاك.

اعترافات الخصم: الفشل الثلاثي
​في خضم هذا الصراع، تأتي شهادة الخصم لتؤكد فعالية هذا المسار؛ حيث وصف مراسل إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي الحالة في جنوب لبنان مؤخراً بأنها: “فشل سياسي، عجز عسكري، واستنزاف للجبهة الداخلية”. هذا الاعتراف هو إقرار بانسداد الأفق الاستراتيجي؛ فعسكرياً لم ينجح التفوق التقني في حسم المعركة، وسياسياً فشلت تل أبيب في فصل جبهة الجنوب عن المسارات الإقليمية، وداخلياً تحول المستوطنون إلى أداة ضغط كبرى، وهو النزيف الذي تخشاه “إسرائيل” دائماً.

​الجوهر واحد.. والأدوات اختلفت (سلاح “البعوضة”)
​ورغم التشابه الاستراتيجي بين الحقبتين، إلا أن الفوارق الميدانية جذريّة، ولعل أبرزها دخول “المسيرات الانقضاضية” كعنصر حاسم. هذه الطائرات التي تشبه في فعلها الميداني “بعوضة النمرود”؛ فرغم صغر حجمها وبساطة تكوينها مقارنة بترسانة “النمرود” العسكرية المتغطرسة ومنظومات دفاعه الجوي العملاقة، إلا أنها استطاعت النفاذ إلى “رأس” المنظومة الأمنية للعدو، فأهلكت طمأنينته، وشتتت تركيزه، وأثبتت أن “الجبروت التقني” قد يُهزم بأدوات ذكية، رخيصة الكلفة، وعصية على الرصد.

​الجغرافيا والامتداد الإقليمي
​الجغرافيا المفتوحة: لم تعد المنطقة العازلة محصورة في أمتار، بل باتت مساحات شاسعة خارج حسابات الاستقرار السكاني والاقتصادي على ضفتي الحدود.
​الامتداد الإقليمي: إذا كان ستاتيكو ما قبل 2000 “لبنانياً بامتياز”، فإن الحالة الراهنة هي جزء عضوي مترابط مع مسارات الجمهورية الإسلامية في إيران، ما يضفي عليها بعداً جيوسياسياً أوسع.

​نحو “التسوية الكبرى”
​لقد انتهى ستاتيكو التسعينيات بانسحاب مفاجئ تحت ضغط الاستنزاف، لكن الستاتيكو الحالي، نظراً لتعقيداته التقنية وارتباطاته الإقليمية، يتجه نحو مسار مختلف. إن كلفة البقاء في حالة “اللا حرب واللا سلم” أصبحت باهظة جداً، واعتراف إعلام العدو بـ”العجز” يعزز القناعة بأن الانفراجة القادمة قد لا تكون مجرد انسحاب موضعي، بل “تسوية كبرى” تفرض واقعاً جديداً كلياً ينهي حقبة ويبدأ أخرى.

​بين استنزاف الأمس ومعادلات اليوم، يبقى الجنوب اللبناني الساحة التي تُكتب فيها موازين القوى، بانتظار اللحظة التي يقرر فيها الميدان نضوج لحظة التفاوض، حيث لا يصرخ أولاً إلا من لم يعد قادراً على تحمل كلفة “الانتظار المسلح”.