المعركة مع الصهيونية شاملة!

يجب أن نعترف أنّ اليهود الصهاينة هم من أذكى وأخطر القوى التي واجهتها البشرية جمعاء، حيث استفادوا من تجاربهم السابقة وتاريخهم الطويل وما رافقه من عقوبات إلهية منذ فجر التاريخ، ففهموا السنن الكونية الثابتة، وأصبحوا يتحرّكون بوعي وفهم وذكاء لتحقيق أهدافهم الشيطانية في الفساد في الأرض ومسخ البشرية والسيطرة على مكامن القوة في هذا العالم.

لذلك، عندما يعجزون عن مواجهة أمة أو شعب من الشعوب، لا ييأسون، بل يعملون جاهدين على استهداف ذلك الشعب في غذائه، ومقدّراته، ومصالحه، ولغته، وهويته، وذاكرته، وانتمائه، وكلّ تفاصيل حياته، لإخضاعه من الداخل، بدءًا بتفكيك الوعي والروح الجمعية وإعادة تشكيلهما، بحيث تتحوّل الحياة اليومية لتلك الأمة أو الشعب أو المجتمع إلى ساحة حرب ومواجهة، ويصبح كلّ ما يربط الإنسان بأرضه وهويته وثقافته ودينه هدفًا مشروعًا للمحو والإساءة والتشويه.

فهم لا يكتفون بالصراع العسكري المسلّح، بل يحاولون تحقيق الأهداف التي عجزوا عن تحقيقها بقوة السلاح عبر الهيمنة الثقافية، مستخدمين أدوات ناعمة وخشنة معًا لفرض رواية واحدة وإقصاء كلّ ما سواها، وجعل الجهة المستهدفة ترى نفسها بعيونهم هم، وتفقد ثقتها بسرديتها، حتى تصبح قابلة للمحو والضياع والتلاشي.

لكنّ الأكثر إيلامًا في هذا الاستهداف الممنهج على مختلف المستويات، هو النجاح في فرضه وجعله واقعًا، والقدرة على التعايش معه أو التكيّف مع حضوره وتقبّله، حتى يصبح الإجرام خبرًا عاديًا، والانتهاك للحرمات وممارسة أبشع الانتهاكات مشهدًا متكررًا، ويصبح ردّ الفعل باهتًا، كما يحصل اليوم على امتداد خارطة فلسطين المحتلة من قبل الكيان الصهيوني.

فهنا تكمن أخطر مراحل الصراع، لأنّ تطبيع القسوة والتعايش معها أخطر من القسوة نفسها، إذ إنّ تقبّلها يضعف الحسّ الجمعي والشعور بالمسؤولية الجماعية والفردية، وهذا ما يؤخّر لحظة الانفجار والمواجهة مع المحتلّ المجرم.

ومع ذلك، لا يُقاس بقاء الشعوب فقط بقدرتها على المواجهة المباشرة مع عدوّها، بل بقدرتها على الحفاظ على كيانها ووعيها من خلال صون الهوية الوطنية وحمايتها بالوعي الذي يُبقي الحقيقة حيّة، لأنّ الإنسان لا يُهزم حين يُقتل أو يُحاصر، بل حين يُفرَّغ من وعيه وهويته.

ولذلك، عندما يظلّ الإنسان حاضرًا بوعيه وهويته ومدركًا عظمة مسؤوليته الوطنية والإنسانية، فإنّ كلّ محاولات أعدائه الطامعين في استهدافه، في هويته وانتمائه وشتى مناحي حياته، تظلّ دليلًا على عجز خصمه عن هزيمته في جوهره، لأنّ المعركة في أصلها ليست على الأرض فقط، بل على الهوية والثقافة والتاريخ، ومن يربح هذه، يربح كلّ شيء.

الصهيونية