ميثاق الصمود الاجتماعي من فقه السوق إلى فقه التكافل

​في ظل الأزمات الوجودية التي تعصف بمجتمعنا، بين مطرقة الحرب والتهجير وسندان الضائقة الاقتصادية، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز حدود البحث النظري ليلامس دماء الناس وأرزاقهم: ما هو الموقف الشرعي والأخلاقي من البقاء في مواجهة الخطر عند العجز عن تأمين البديل؟

​حائط الإيجارات المائل
تُروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قصته الشهيرة حين ترك الجلوس بجانب حائط مائل، قائلًا: «أفرُّ من قضاء الله إلى قدر الله». كان هذا درسًا في “الأخذ بالأسباب” ووجوب التحرز من الهلكة. إلا أنَّ واقعنا اليوم يضع الناس أمام “حائط” من نوع آخر؛ حائط الإيجارات المرتفعة والأسعار التعجيزية التي وصلت إلى أرقام خيالية. هذا الحائط المادي المائل لا يقل خطورة عن الجدار المتداعي؛ فبينما يفر الناس من الموت بالقصف، يصطدمون بموت “الاضطرار” وضيق اليد، مما يحجزهم عمليًا في دائرة الخطر ويُعطل قدرتهم على الأخذ بأسباب النجاة التي أمر الله بها.

​حق الحياة فوق حق المِلكية
بينما يحمي الفقه الإسلامي حق الملكية الخاصة، فإنه يضعها في مرتبة أدنى من “حق الحياة” وحفظ النفس. إنَّ “فقه السوق” القائم على العرض والطلب لا يمكن أن يكون حاكمًا في زمن الكوارث، فالمنظومة الأخلاقية لآل البيت (عليهم السلام) تذمُّ استغلال ضيق المؤمنين، وتعتبر الربح الفاحش من وجع المهجرين خدشًا في مروءة الإيمان. إنَّ من يحجب الأمان عن أخيه برفع السعر وهو يعلم اضطراره، يتحمل جزءًا من “وزر الخطر” الذي قد يصيب هذا المؤمن العائد إلى داره مكرهًا لعدم قدرته على دفع الإيجار واشتراك الكهرباء وتأمين السلف المالية.

​فقه الميدان”أنتم مسؤولون”
إننا بحاجة اليوم إلى إحياء “فقه الميدان”؛ الفقه الذي لا يكتفي بإصدار الفتاوى التي تقول للفقير “أنت معذور في عودتك للخطر”، بل يتوجه للمجتمع والمقتدرين بلسان الحسم: “أنتم مسؤولون”. فمن عاد إلى داره في الخطر لعدم قدرته المادية، فهو في رعاية الله وعينه، وتكليفه الصبر والاحتساب، بينما يقع وزر خطره على من استغله أو قصّر في إيوائه من المقتدرين. إنَّ تفعيل فقه التكافل كبديل عن فقه السوق في زمن الأزمات يجعل الإيواء ميسرًا للجميع ويحفظ كرامة الإنسان.

​نحو ميثاق صمود اجتماعي
إنَّ غياب الوازع الأخلاقي لدى البعض في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وأزمة الحرب والتهجير يحتم علينا صياغة “ميثاق صمود اجتماعي”. ميثاقٌ يرى في التكافل قدرًا إلهيًا نلوذ به من قضاء البلاء. إنَّ تيسير الإيواء ليس مِنّة من أحد، بل هو ركنٌ أصيل في معركة الصمود. فكما أنَّ الجندي يحمي الثغور بسلاحه، فإنَّ صاحب البيت يحمي المجتمع بفتح أبوابه بإنصاف، لكي لا نكون عونًا للظروف القاسية على أهلنا. إنَّ الفرار نحو التكافل هو عينُ الفرار إلى قدر الله الواسع، وفاءً لدمٍ بُذل وكرامةٍ أُريد لها أن تُصان.