المقاومة وأصحاب النفوس القبيحة

سافلٌ هو (لم أجد وصفًا أليق)، ولكنه يوهمك بأن هناك من دفعه إلى هذا المستوى دفعًا. تعوّد على مال الارتزاق باسم الثورة والمقاومة الفلسطينية، إلا أن حزب الله كرّهه بشيءٍ اسمه مقاومة، لأن المقاومة في حالة الحزب لم تؤمّن له عوائد مالية ولا مكانة معنوية وسياسية. هذا النوع من المقاومة “شي بكفّر”. وبنظره، كل من قاتل في هذه المقاومة حظّه قليل من الفهم والوعي، “ماشي وغاشي”.

صدقًا، هؤلاء هكذا يصوّرون مجاهدينا ويستهزئون بشهدائنا وجرحانا وأسرانا وأهالينا النازحين الصابرين، ويرقصون على جراحهم ويبخسون تضحياتهم. حتى إن أحد الكتّاب اختصر جبل عامل ببضعة أسماء، من كتّابٍ وصحافيين وشعراء وغيرهم، على أن بيئة المقاومة وجمهور مؤيديها همجٌ رعاع لا يتذوقون الشعر ولا يمتلكون أي وعيٍ سياسيٍ أو ذكاءٍ اجتماعي. كذلك فعل آخر حين اختصر من دُمّرت منازلهم ببضعة أسماءٍ جنوبية، على أنه يعرفهم جيدًا ويعرف كم تعبوا حتى بنوا تلك المنازل، فيما الآخرون يفتدون -بكل تخلّفٍ وبلادةٍ- المقاومة ومجاهديها وقادتها.

والأوبش من هذا كله، ذاك المرتزق، الذي عرف المقاومة كمكانةٍ وعائدٍ مالي، فإنه يتحفنا يوميًا بأن هذه المقاومة لم تُنتج قاماتٍ فكرية وفقهية وأدبية، عكس سيرة الشيعة قبل هذه المقاومة. طبعًا، هو يذكر أسماء عددٍ من الشخصيات ليزج بينها أسماءً محددة، صانعًا من سلسلته مزيجًا غير متجانس، على طريقة من يمجّدون أسماءً شيعية لامعة ويقدّمون النسخة الخاصة بهم عنها، حتى يقولوا إنهم لا يشبهون شيعة المقاومة.

وهكذا يصبح هؤلاء الشامتون، المحرّضون، الحاقدون، شيعةً “أحرارًا” بين أكثريةٍ مضحيةٍ صابرةٍ صامدة، يقدّمها هؤلاء على أنهم جماعةٌ من المتخلّفين مسلوبي الإرادة، خاصةً حين يخرج من يصرخ من ألمه، وقد يتهم وقد يهاجم وقد يتذمّر لأن الحرب شرسةٌ وهمجيةٌ جدًا، فإن البعض يراهن على هذه الأصوات على أنها بوابة الفكاك من “ربقة” المقاومة و”وطأتها”، في حين أن الواقع أثبت أن التماهي كبيرٌ جدًا بين المقاومة وجمهورها من جهة، وبين الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، من جهة أخرى.

ولذا يُعمل ليلًا نهارًا، وبتوجيهٍ من أعلى المستويات، لاختراق هذه الكتلة الصلبة وهذا الولاء والانتماء الذي عمّده الدم، وهذا من الصعب جدًا، إن لم يكن مستحيلًا، أن يُخترق أو يتضعضع، لا سيما وأن منطلق أي بديلٍ أو خيارٍ آخر كان دائمًا منطلقًا من خلفيات التبخيس والتوهين والمعايرة والتهجّم على أهم تجربةٍ مرّت في تاريخ هذه البيئة الحديث، أي المقاومة.

لقد شاهد أهل المقاومة كل التجارب حولهم، تلك التي هادنت العدو وسالمته، وخبروا أن كلفة المقاومة أقل بكثير من كلفة الاستسلام. لا أمل لديكم؛ لن يستسلم هؤلاء مهما كانت الأثمان، مهما صرخوا من الألم، مهما حلمتم بأنهم قد يتخلّون عن المقاومة!