انتهاك تقرير المصير من قبل تلك القواعد
من المنظور الحقوقي، يعتبر البعض أن هذه القواعد تكرس تبعية الحكام للدول الكبرى لضمان استمرارية بقائهم في السلطة مقابل حماية المصالح الأجنبية، وهو ما يتعارض مع إرادة الشعوب في استقلال قرارها السياسي التام.
يؤدي الوجود العسكري الأجنبي إلى تحولات جذرية في بنية المجتمعات والدول المستضيفة، وغالبًا ما تتجاوز آثاره الجوانب الأمنية لتطال النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
تحليل للآثار المترتبة على وجود هذه القواعد على الشعوب
الأثر السياسي والسيادي (تآكل القرار الوطني)
ارتهان القرار السياسي: وجود قواعد ضخمة يجعل الدولة المستضيفة تحت ضغط دائم لمواءمة سياستها الخارجية مع سياسة الدولة صاحبة القاعدة، مما يضعف استقلالية القرار الوطني.
إعاقة التحول الديمقراطي: في كثير من الحالات، توفر القواعد الأجنبية غطاءً أمنيًا لأنظمة قد لا تحظى بقبول شعبي واسع، حيث تُعطى الأولوية لاستقرار “القاعدة العسكرية” على حساب التغيير السياسي أو حقوق الإنسان.
خطر التورط في نزاعات: تجد الشعوب نفسها طرفًا في صراعات لا علاقة لها بها، حيث تُستخدم الأراضي منطلقًا لعمليات عسكرية ضد دول أخرى، مما يجعل الدولة المستضيفة هدفًا مشروعًا للردود الانتقامية.
الأثر الاجتماعي والثقافي
انتهاك الخصوصية الثقافية: يؤدي تدفق الجنود الأجانب بقيم وثقافات مختلفة تمامًا إلى صدامات اجتماعية في المناطق المحيطة بالقواعد، ما يؤثر على الهوية الثقافية المحلية.
الحصانة القانونية: غالبًا ما تُمنح القوات الأجنبية حصانة من المحاكمة أمام القضاء المحلي في حال ارتكاب جرائم ضد المدنيين، مما يولد شعورًا بالظلم والمهانة لدى السكان المحليين ويقوض هيبة القانون الوطني.
الأثر الاقتصادي والبيئي
اقتصاد “التبعية”:
رغم أن القواعد قد توفر فرص عمل محلية محدودة، إلا أنها تخلق اقتصادًا مشوهًا يعتمد على خدمة القاعدة بدلًا من التنمية المستدامة، وبمجرد رحيل القاعدة قد ينهار هذا القطاع بالكامل.
التلوث البيئي:
القواعد العسكرية من أكبر ملوثات البيئة؛ بسبب النفايات السامة، ووقود الطائرات، والتدريبات بالذخيرة الحية، ما يؤثر على صحة السكان المحليين وعلى الموارد الطبيعية مثل المياه الجوفية (كما حدث في عدة مناطق بأفريقيا وأوكيناوا في اليابان).
الأثر الأمني (علاقة عكسية)
جذب “الإرهاب”: بدلًا من توفير الأمن، غالبًا ما تصبح القواعد الأجنبية “مغناطيسًا” للجماعات المتطرفة التي تستخدم وجود هذه القواعد ذريعة لتجنيد الشباب وتنفيذ عمليات بدعوى “مقاومة الاحتلال”.
عسكرة المجتمع
يؤدي الوجود الأجنبي إلى زيادة وتيرة التسلح في المنطقة المحيطة، ما يجعل الحلول الدبلوماسية للأزمات المحلية ثانوية مقابل الحلول العسكرية.
تهجير السكان والاستيلاء على الأراضي
في كثير من الدول الأفريقية، يتم الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية أو الرعوية لبناء القواعد، ما يؤدي إلى تهجير قسري للسكان المحليين وفقدانهم لمصادر رزقهم التاريخية، وهو ما يراه القانون الدولي انتهاكًا صارخًا لحق الشعوب في مواردها.
بينما تسوق الدول الكبرى وجودها العسكري كـ”حماية للاستقرار”، تظهر التجارب التاريخية في منطقتنا وفي أفريقيا أن الكلفة الحقيقية تتحملها الشعوب من سيادتها، وبيئتها، ومستقبل أجيالها.
تتعدد نماذج الانتهاكات التي تمارسها القواعد العسكرية الأجنبية، وهي تتراوح بين انتهاكات حقوقية مباشرة، وأخرى بيئية، وصولًا إلى التدخل السياسي المباشر.
إليك أبرز النماذج الموثقة لهذه الانتهاكات في منطقتنا العربية والأفريقية:
الانتهاكات الحقوقية والقانونية (الإفلات من العقاب)
أخطر أنواع الانتهاكات هي التي تتعلق بدماء وحقوق المدنيين، حيث تفرض اتفاقيات “وضع القوات” حصانة تمنع محاكمة الجنود الأجانب أمام القضاء الوطني.
حوادث الدهس والقتل: شهدت دول مثل جيبوتي والنيجر حوادث سير وقتل لمواطنين محليين من قبل جنود فرنسيين وأميركيين، وغالبًا ما تنتهي القضية بترحيل الجندي إلى بلاده دون محاكمة عادلة ترضي ذوي الضحايا.
الاختطاف والاعتقال السري: استُخدمت بعض القواعد الأجنبية (خاصة الأميركية) بعد عام 2001 كمراكز “نقل غير قانوني” لمتهمين بالإرهاب، حيث يتم احتجازهم واستجوابهم خارج إطار القانون الدولي، بعيدًا عن رقابة الدولة المستضيفة.
انتهاك الحق في الأرض (التهجير القسري)
جزيرة دييغو غارسيا (المحيط الهندي): يُعد هذا النموذج الأوضح؛ حيث قامت بريطانيا بتهجير كامل سكان الجزيرة الأصليين قسرًا لصالح بناء قاعدة عسكرية أميركية ضخمة. رغم صدور أحكام دولية تطالب بإعادة السكان، لا يزال الوجود العسكري يمنعهم من العودة إلى وطنهم.
قواعد الساحل الأفريقي: في دول مثل مالي والنيجر تم الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي الرعي التاريخية للقبائل المحلية لبناء مهابط طائرات مسيرة (Drones)، ما أدى إلى تدمير سبل عيش آلاف الأسر دون تعويض عادل.
الانتهاكات البيئية والصحية
تلوث المياه والتربة: في قاعدة ليمونير في جيبوتي وقواعد أخرى، تم توثيق تسريبات لمواد كيميائية تستخدم في إطفاء الحرائق وتنظيف الطائرات، وهي مواد مسرطنة تتسرب إلى المياه الجوفية التي يعتمد عليها السكان المحليون.
النفايات العسكرية: التخلص من النفايات الخطرة عن طريق حرقها في “حفر حرق مفتوحة” (Burn Pits) تتسبب في أمراض تنفسية وجلدية مزمنة للسكان في القرى المجاورة للقواعد في العراق وأفغانستان.
السيادة والاستخدام “دون إذن”
منطلق للعدوان: يتم استخدام القواعد أحيانًا لشن هجمات على دول جارة دون علم أو موافقة البرلمان أو الشعب في الدولة المستضيفة، ما يجعل تلك الشعوب عرضة لردود فعل انتقامية وتحميلها مسؤولية سياسية وأخلاقية لا ذنب لها فيها.
التجسس على المواطنين: تُستخدم القواعد كمراكز للتنصت والرقابة الرقمية ليس فقط على الأعداء، بل أحيانًا لجمع معلومات عن التحركات الشعبية والسياسية داخل الدولة المستضيفة نفسها لحماية مصالح القوة الأجنبية.
الانتهاكات في اليمن والخليج (أمثلة معاصرة)
بريطانيا في عُمان والخليج: تُستخدم التسهيلات العسكرية واللوجستية البريطانية لدعم عمليات رصد وتوجيه، يراها الكثير من الحقوقيين مساهمة في إطالة أمد النزاعات الإقليمية عبر توفير الدعم الاستخباري والتقني، وهو ما يعتبر انتهاكًا غير مباشر لحق الشعوب في السلام.
الطائرات المسيرة (Drones): انطلاق الطائرات المسيرة من قواعد في المنطقة لتنفيذ عمليات “تصفية” أدت في كثير من الأحيان لسقوط ضحايا مدنيين (كما حدث في حوادث قصف حفلات زفاف أو تجمعات قبلية في اليمن)، دون وجود جهة قانونية محلية تستطيع محاسبة المشغلين لهذه الطائرات.
العدوان الأميركي الصهيوني على “إيران”
أكثر من 11 ألف غارة أميركية صهيونية شُنَّت من القواعد الأميركية في دول الخليج على “إيران” في عدوان صارخ ينتهك كل المواثيق الدولية، ما أثبت أن وجودها احتلال وضرر بالغ على دول المنطقة، وما يجعل خروجها ضرورة حتمية لاستقرار وأمن المنطقة.