الصهيونيّة السياسيّة: من الوهم المؤسِّس إلى إرهاب الواقع

ليست الصهيونيّة مجرّد فكرةٍ وُلدت في كتب التاريخ، ولا مشروعًا انتهى بقيام دولة. هي، ببساطة، كذبةٌ كبرى تمكّنت من أن ترتدي شكل الحقيقة، ثم فُرضت بالقوّة على أرضٍ لم تكن يومًا بلا أهل.

عندما نظّر تيودور هرتزل لما سمّاه “الدولة اليهوديّة”، لم يكن يؤسّس لحقّ، بل كان يبحث عن مخرجٍ أوروبيّ لأزمةٍ أوروبيّة. هكذا بدأت الحكاية: فكرةٌ وُلدت خارج الأرض، ثم تقرّر أن تُزرع فيها بالقوّة. ومع وعد بلفور، لم يُمنح اليهود وطنًا، بل مُنح المشروع الاستيطاني شرعيّةً دوليّة لاقتلاع شعبٍ كامل. أمّا إعلان قيام ما يسمّى “دولة إسرائيل”، فلم يكن إعلان دولة، بل إعلان مرحلةٍ مفتوحة من التطهير والتهجير وإعادة تشكيل الجغرافيا بالنار.

لكن الحقيقة التي يحاول هذا الكيان الهروب منها، أنّه لم يتحوّل يومًا إلى “دولة طبيعيّة”. ما زال، حتى هذه اللحظة، يعيش على القوّة وحدها. كلّ ما فيه مؤقّت إلّا العنف. كلّ ما فيه قابل للنقاش إلّا السلاح.
في الحاضر، لا تحتاج إلى قراءة كتبٍ لفهم الصهيونيّة. يكفي أن تنظر إلى ما تفعله: حصارٌ يخنق الحياة، قصفٌ يطال الحجر والبشر، اغتيالٌ يصبح خبرًا عاديًا، ودمٌ يُقدَّم للعالم على أنّه “تفاصيل أمنيّة”. هنا، تسقط كلّ الأقنعة. الصهيونيّة ليست فكرة قابلة للنقاش، بل منظومة إرهابٍ مكتملة، تُدار بعقل دولة وتُنفَّذ بأدوات جيش.
يحاولون دائمًا قلب الصورة: يسمّون العدوان دفاعًا، ويصفون المقاومة تهديدًا. لكن المعادلة أبسط من كلّ هذا التزوير: من يحتلّ أرضًا ويفرض وجوده بالقوّة، لا يملك حقّ تعريف نفسه كضحيّة. ومن يُقتلع ويُحاصر ويُقتل، لا يحتاج إلى إذنٍ ليقاوم.

المقاومة هنا ليست خيارًا سياسيًا، ولا ترفًا أيديولوجيًا. هي النتيجة الطبيعيّة لوجود هذا الكيان. هي الردّ الوحيد الذي لم يستطع المشروع الصهيوني إسكاته، رغم كلّ ما امتلكه من تفوّق، لأنّ المسألة، في جوهرها، ليست توازن قوى فقط، بل توازن معنى: بين مشروعٍ قائم على الإلغاء، وإرادةٍ ترفض أن تُمحى. والأهمّ، أنّ هذا الكيان -رغم كلّ ما يظهره من قوّة- يعيش قلقه في داخله، لأنّه يعرف، في مكانٍ ما، أنّه طارئ، وأنّ ما يُفرض بالقوّة، لا يتحوّل إلى حقّ، وأنّ الزمن، مهما طال، لا ينسى أصحاب الأرض.

لهذا، فإن دراسة الصهيونيّة اليوم لا تعني العودة إلى الماضي، بل قراءة هذا الحاضر كما هو: مشروعٌ مستمرّ في إنتاج الإرهاب، وعجزٌ دائم عن إنتاج شرعيّة، وفي المقابل، شعوبٌ ما زالت، رغم كلّ شيء، قادرة على أن تقول “لا”، لا بوصفها كلمة، بل بوصفها موقفًا لا ينكسر.