حين تُذكر “الدّولة العميقة”، فإنّ الصّورة الأُولى التي تتبادر إلى الذّهن غالبًا هي إمّا مجموعة رجال يحملون الحقائب ويجلسون حول طاولة من أجل اتّخاذ القرارات المصيريّة التي تحدّد ما ستؤول إليه الأُمور على أرض الواقع، أو شركات كبيرة يُتصوَّر أنّها تشكّل البنية الاقتصاديّة التي تمكّن الدّولة من تحقيق مقتضيات القوّة المادِّيَّة. والحال أنّ الصّورتين، على الرّغم من اختلافهما، تشتركان في الافتراض الضّمنيّ نفسه، وهو أنّ عمق السّياسة يقع في مكانٍ ما فوق الدّولة أو خلفها، في طبقة من الفاعلين الذين يمتلكون قدرة استثنائيّة على توجيه الجهاز الحاكم في الخارج.
لكن ماذا لو قلنا إنّ الطّبقة الأعمق في السّياسة لا تقع فوق الدّولة ولا خلفها، وإنّما هي مركوزة في العقل الإنساني ذي التَّوجُّه الحضاريّ ذاته؛ أي تلك البنى التّحتيّة الفكريّة والأخلاقيّة والتّاريخيّة التي تنبثق منها النُّظُمُ الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة. وبهذا المعنى، لا تعود “الدّولة العميقة” حكومة خفيّة تتحكّم بالحكومة الظّاهريّة، بل تصبح عبارة عن نمط من الوعي العقائديّ والذّكاء الحضاريّ الكامن في أصل حركات الانسان وسكناته، وتخطيطه وسياساته.
من المعلوم أنّ الدّولة بحسب الفهم التّقليديّ هي جهاز إداريّ، غير أنّ حقيقتها العمليّة تؤكّد بُعدًا آخر وهو أنّ الدّولة تعكس بوجوه شتّى حدود الإنسان نفسه: تصوُّره للنّظام، وممارسته للشّرعيّة، وقيمة الأمن عنده، وأدائه لغايات الوجود. وقد لا يتّسع المجال كثيرًا لاستكشاف هذه الأبعاد بظهورها الحرفيّ في نصوص مفكّرين من أمثال “جون لوك” الذي يؤكّد بالحدّ الأدنى أنّ “سلطة المجتمع، أو السُّلطة التّشريعيّة التي أنشأها، لا يمكن أن يُفترض قطّ أنها تمتدّ إلى أبعد من الصّالح العامّ”. غير أنّ في وجدان الإنسان، وفي ممارسته اليوميّة للحياة الاجتماعيّة، يوجد إدراك بأنّ “الحكم” في أكثر مراحله بدائيّة، يبدأ منه هو قبل امتداده إلى الواقع الحضاريّ الأوسع. نعم، قد لا يبدو الأمر كذلك حين يكون المرء غارقًا في هموم الحياة وشجونها، لكنّ الجسر بين الانسان والحضارة ليس بشيء غيبيّ.
وسواء تبنّى الواحد منّا رؤية “هنتنغتون” القائلة إنّ العالم يقوم على الحضارات لا على الدّول القوميّة، أم وافق “ميرشايمر” في وصفه لهذه الرّؤية بأنّها “تفاهة”، فمن العسير جدًّا أن يدّعي أنّ الدّولة تعمل في فراغ فكريّ، بحيث لا يرث النّظام السّياسيّ، عن علم أو جهل، أيَّ افتراضات على الإطلاق بشأن الإنسان، أو السُّلطة، أو العدالة، أو الحُرِّيَّة، أو المستقبل، أو حتى الخالق جلّ وعلا. وحتى لو تجرّأت دولة ما على أن تعمل على هذا النّحو، فلن يعفيها ذلك من حكم الفرد عليها، فضلًا عن الحكم الجماعيّ للرّأي العامّ. فمن “الصّالح العامّ” عند “لوك” إلى “الخير الأسمى” عند “أرسطو”، يبقى القول بأنّ حدود الوطن هي أقصى ما ينبغي للدّولة أن تفكّر فيه قولًا غير واقعيّ. فهو يتجاهل التّاريخ، وفلسفة الرّدع، واستقرار الضّمير على أنّ العقل، وإن كان قد لا يدفع الدّولة إلى استخدام العنف بدافع الكراهيّة المحضة على سبيل المثال، ولكنّه قد يدفعها إلى ذلك بالفعل لغاية القوّة والتَّوسُّع، فهما يكفيان.
والسّؤال الذي يطرح نفسه عندئذٍ هو: ما هي الأفكار والقيم والتَّطلُّعات الكامنة داخل تلك القوّة؟ وبعبارة أُخرى، أيّ نموذج للإنسان والمجتمع والحكم سيولد منها؟ هنا يجدر بنا أن نعيد النّظر في فهمنا لـ “الدّولة العميقة” لسبب مفارق هو أنّ التّفسير الشّائع لها ليس “عميقًا” بما فيه الكفاية، ولتكن الصّياغة الجديدة لـ “الدّولة العميقة”: العقل ذو التَّوجُّه الحضاريّ، حيث إنّه الفاعل الأوّل في الحكمة والاختيار. ألا ترى بأنّ أيّ معالجة للفرد، أو نهضة اجتماعيّة، أو ثورة سياسيّة، أو تحوُّل ثقافيّ، أو تغيير تاريخيّ إنّما يبدأ من العقل بالمعنى المزبور؟
وإنْ شئت قلت: إنّ المطلوب قبل كلّ شيء هو إيجاد أفراد في أعلى درجات هذا الوعي الحضاريّ، المُدعَّم أوّلًا بالبصيرة في كلّ ما يرتبط بمشروعهم وثانيًا بالاستعداد الدّائم لتحقيق أهدافهم دون أن ينسلخ عنه الضّبط المطلوب لحفظ التّجربة. فالأصل هو هذا النّموذج، وإذا ما أدرك المرء أنّ جوهر أيّ مشروع حضاريّ يتمثّل في مؤهّلات الأفراد الذين تنتجهم رؤيته، فسوف يخلص إلى أنّ إعداد أشخاص لديهم من الحكمة -أي ملكة وضع الأُمور في مواضعها-ما يمكّنهم من ضمان الاستمراريّة واختراق المراحل التي تغلب فيها الفوضى، بل وحتى الكوارث المنظّمة، أو إحياء المشروع بعد استئصاله وإبادة أصحابه لا سمح الله، هو في حدّ ذاته سلاح مستقبليّ. وما مُرادنا من العقل ذي التَّوجُّه الحضاريّ سوى هذا. فإنّ تطوُّر المجتمع الإنساني يعتمد عليه أكثر من أيّ شيء آخر، ولا سيّما بالنّسبة إلى التّجارب والمجموعات الأقلّ حظًّا في السّباق الدّنيء نحو الهيمنة التّكنولوجيّة. فتبعات الصّراع السّياسيّ اليوم أعظم بأضعاف هائلة ممّا كانت عليه في السّابق، بعدما جعلت القوّة العسكريّة الحديثة الحرب كارثيّة على المستوى الحضاريّ. ولهذا تحديدًا ندّعي بأنّ أقوى مصدر للمناعة لدى أيّ حضارة هو الفرد نفسه.
وبشيء من التَّأمُّل، يظهر أنّ العودة إلى الدّاخل، نحو الأنماط التّقليديّة والمحافظة الحديثة في الغرب مثلًا خلال العقد الأخير، رغم أنّها لا تسمو فوق قابليّة سائر التّصاميم البشريّة للخطأ، ليست صحوة ثقافيّة مستقلّة، بل ظاهرة ناشئة، أو نتيجة غير مقصودة بحدّ ذاتها، وصلت إليها المجتمعات عرضًا في بحثها عن هويّة حضاريّة جديدة. لكن مع ذلك، كما ترى، فقد فشلت فشلًا ذريعًا. والسّبب على ما يبدو لنا يكمن في غياب العقل ذي التَّوجُّه الحضاريّ.
إنّ العالم يهتزّ حرفيًّا بحثًا عن حضارة جديدة، والسّبيل الوحيد إلى الأمام هو العودة إلى حاكميّة شخصيّات نموذجيّة تتمتّع بقدر كافٍ من النّضج المعنويّ والأخلاقيّ والفكريّ لجعلها قادرة –في آن واحد– على صون المشروع والتّأسيس لمراحل إنجازه؛ أي العودة إلى أشخاص يمتلكون ذاك الذّكاء الحضاريّ، باعتباره أنقى صورة، سواء أكان في إطار الحكم أم خارجه، للوجود الحضاريّ في ظلّ الظّروف الثّقافية والكونيّة الرّاهنة. إنّه أعمق من أيّ “دولة عميقة” بالمعنى السّائد، وأكثر استدامة منها بأشواط.