في “إسرائيل”، بدأت أسئلة ما بعد الحرب تتجاوز الحديث عن العمليات العسكرية إلى سؤال أكثر حساسية: ماذا حققت “إسرائيل” فعليًا؟ وهل انعكس ما يُسمّى انتصارًا على حياة الإسرائيليين وأمنهم؟ فبينما تؤكد القيادة الإسرائيلية إنجازاتها العسكرية، تبدو هناك فجوة متزايدة بين النصر الذي تعلنه القيادة والنصر الذي يشعر به المجتمع.
وبحسب استطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي INSS في حزيران 2026، اعتبر 43% من الإسرائيليين أن الحرب مع إيران انتهت من دون حسم، فيما رأى 37% أن إيران هي التي انتصرت، ولم يرَ سوى 15% أن “إسرائيل” خرجت منتصرة. كما صنف 42% الوضع الأمني الإسرائيلي بأنه سيئ أو سيئ جدًا، مقابل 20% فقط رأوه جيدًا أو جيدًا جدًا.
وتزداد أزمة الثقة مع تراجع الإيمان بمفهوم «النصر الكامل» الذي ارتبط بخطاب بنيامين نتنياهو. ففي استطلاع أوردته “Times of Israel” في آب 2026، قال 62% إنهم لا يعتقدون أن “إسرائيل” ستصل إلى «النصر الكامل» الذي وعد به نتنياهو في غزة، مقابل 25% اعتقدوا بإمكانية تحقيقه. كما قال 62% إنهم لا يرون أن نتنياهو قاد “إسرائيل” إلى النصر، مقابل 28% رأوا العكس.
ولا يقتصر التشكيك على المعارضة السياسية. فقد أظهر استطلاع للجامعة العبرية بالتعاون مع معهد Agam أن 92.1% من المشاركين اعتبروا إيران الطرف الذي خرج منتصرًا من الحرب والاتفاق الذي أعقبها، فيما قال 87.8% إن “إسرائيل” لم تحقق أهدافها أو حققت بعضها فقط، مقابل 12.2% رأوا أنها حققت معظم أهداف «النصر الكامل». كما لم يقيّم إدارة نتنياهو للحرب بأنها «جيدة» أو «ممتازة» سوى 26.5%، بينما تراجع تأييد توليه رئاسة الحكومة من 40.5% في آذار إلى 29.4% في حزيران.
وفي الداخل الإسرائيلي، لا تتوقف الأزمة عند إيران وغزة، بل تمتد إلى الشعور بالأمن والانقسام الداخلي. فقد قال 81% في استطلاع INSS إن الوضع الأمني في الشمال لا يوفر الأمان لسكان المنطقة، فيما رأى 69% أن احتمال حدوث مواجهة عنيفة بين مجموعات داخل المجتمع يمكن أن تكون له أضرار كبيرة أو كبيرة جدًا.
المفارقة أن تراجع الثقة بنتائج الحرب لا يعني بالضرورة رفض القوة العسكرية؛ بل إن جزءًا من المجتمع الإسرائيلي لا يزال مستعدًا لمواصلة استخدام القوة. وهنا تظهر المعضلة الأساسية: “إسرائيل” تمتلك قوة عسكرية كبيرة، لكن القوة وحدها لا تضمن تحويل الإنجازات الميدانية إلى واقع سياسي وأمني مستقر. لذلك، تتحول «صورة الانتصار» إلى معركة داخلية بحد ذاتها. فالقيادة تتحدث عن الإنجازات، بينما تسأل الاستطلاعات: أين النتيجة؟ ويسأل الشارع: هل أصبحنا أكثر أمنًا؟
وهذه الفجوة بين «النصر المعلن» و«النصر المحسوس» قد تكون من أبرز الأزمات السياسية والاجتماعية التي تواجه “إسرائيل” في المرحلة المقبلة؛ لأن انتهاء المعركة العسكرية لا يعني انتهاء تداعياتها، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحساب السياسي والنفسي والاجتماعي داخل “إسرائيل”.