معركة الوعي: بين ردع العدو وانضباط البيئة الداخلية

آب 27, 2026 محمد دعيبس 23 قراءة 1 دقائق قراءة

منذ أن وضع العدو نصب عينيه معادلة “الردع بالكلفة”، وهو يراهن على أن يزرع في وعينا صورة واحدة لا تتزحزح: أن كل استهداف لقواته ثمنه دم يفوق قيمته، وأن كل رصاصة نطلقها سترتد علينا حرائق ودمارًا لا طاقة لنا على احتماله. هذا هو جوهر خطابه المموّه بلغة “الردع” و”القوة الرادعة”، فيما هو في حقيقته محاولة ممنهجة لإعادة تعريف العلاقة بيننا وبينه: هو من يحتل ويتوغل ويقصف متى شاء، ونحن من يُطلب منا أن نصمت، أن نبتلع الإهانة، أن نُقنع أنفسنا بأن السكوت حكمة والاستسلام واقعية. إنها معادلة استعمارية بامتياز، لا تختلف في جوهرها عن كل معادلات الاحتلال عبر التاريخ: العدو يملك حق الفعل، والمُحتلّ عليه واجب الصبر على الفعل.

لكن هذه المعادلة، مهما تجمّلت بمصطلحات الحرب الحديثة وتحليلات “التوازن الاستراتيجي”، تصطدم بحقيقة أعمق من كل حسابات القوة: أن الشعوب التي اختبرت الذلّ وعرفت طعم الكرامة لا تُقايض حريتها بأمانها المؤقت. جوابنا على هذا المنطق كان وسيبقى واحدًا لا يتغيّر: الموت أولى من ركوب العار، وهيهات منّا الذلّة. هذه ليست شعارًا نرفعه في المناسبات، بل هي فلسفة وجود تشكّلت عبر عقود من المواجهة، ترسّخت في وجدان جيل كامل رأى بأمّ عينيه أن الاستسلام لا يشتري سلامًا، بل يشتري مزيدًا من التوغل والقصف والاستباحة، وأن الثمن الحقيقي ليس في المقاومة، بل في التنازل عنها.

غير أن معركة الوعي هذه، التي يخوضها العدو بذكاء لا يمكن الاستهانة به، لا تُدار فقط عبر البيانات العسكرية والتهديدات المعلنة، بل عبر جبهة أخطر وأكثر مكرًا: جبهة المعلومة. فبينما يعمل العدو ليل نهار على حجب أي تفصيل عن قواته وتحركاته وخسائره، متذرّعًا بـ”الأمن القومي”، نجد في المقابل من بيننا من يقدّم له، طواعية ومن دون أن يُطلب منه ذلك، أثمن ما يبحث عنه: المعلومة الدقيقة، الصورة الحيّة، الإحداثية الكاشفة. مسيّرات الشباب التي تُصوَّر وتُنشر بلا وعي، والتفاصيل التي تُسرَّب بحسن نية أو بسذاجة لا تقل خطورة عن الخيانة، كلها روافد تصبّ في نهر واحد: نهر يسقي به العدو استخباراته، ويغذي به منظومة استهدافه. إن من يظن أن نشر مشهد عابر لمسيرة أو تجمّع أو تحرّك هو فعل بريء أو تعبير عن “فخر” لا يدرك أنه تحوّل، من دون أن يشعر، إلى عين إضافية لعدو يرصد كل شاردة وواردة، ويحوّل كل صورة إلى معلومة، وكل معلومة إلى هدف محتمل. هذه ليست مبالغة إنشائية، بل هي درس تكرّر مرارًا في تجارب المقاومة عبر التاريخ: أن الجبهة الداخلية حين تتراخى في وعيها الأمني، تفتح للعدو نافذة قد تعجز مدفعيته وطائراته عن فتحها بمفردها. فالسذاجة، حين تتحول إلى نمط سلوك جماعي، تتحوّل هي نفسها إلى سلاح، لكنه سلاح موجّه نحونا لا نحو العدو.

من هنا، فإن مواجهة هذا العدو تستوجب وعيًا مزدوجًا لا ينفصل أحد شقّيه عن الآخر: وعي بأن خطاب “رفع الكلفة” ليس إلا محاولة لكسر إرادتنا من الداخل قبل أن يكسر أجسادنا في الخارج، ووعي بأن الانضباط الأمني في التفاصيل الصغيرة، في الصورة التي نلتقطها، في التفصيل الذي ننشره، في الحماسة التي لا نروّضها بالعقل، هو جزء لا يتجزأ من المعركة ذاتها. فالبطولة ليست في التصوير والتوثيق الاستعراضي، بل في الصمت الذي يحمي، وفي الكتمان الذي يحفظ الدم قبل أن يحفظ السرّ. وحين نقول إن الموت أولى من ركوب العار، فإننا لا نقصد فقط الثبات أمام تهديدات العدو المباشرة، بل نقصد أيضًا الثبات أمام إغراء الظهور، أمام رغبة التباهي، أمام تلك اللحظة العابرة التي يظن فيها أحدنا أنه يوثّق مجدًا، بينما هو في الحقيقة يمنح العدو خارطة طريق نحو من يحب.

إن الكرامة التي نرفض المساومة عليها أمام دبابات العدو وطائراته، يجب أن تكون هي ذاتها الكرامة التي تمنعنا من التفريط بأمن من يقاومون باسمنا، لأن العار لا يكون فقط في الاستسلام المعلن، بل يكون أيضًا في الغفلة التي تُسلّم العدو أسلحته من دون أن يطلق رصاصة واحدة.