كثيرًا ما نرى في السياسة أطرافًا مختلفة التوجهات السياسية والفكرية متخندقة داخل تنسيقية، أو جبهة، أو كتلة تاريخية واحدة، في مواجهة عدو داخلي أو خارجي. لكن، وبحكم موازين القوى، يهيمن طرف أو طرفان عادةً على المشهد ويصبحان الفيصل فيه، بينما يتم التعامل مع بقية الأطراف كبيادق يمكن التخلص منها في أقرب وقت بعد تنفيذ المهمة المطلوبة. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أهمها امتلاك هذا الطرف قاعدة شعبية واسعة، أو تحالفه مع فئات طبقية تمتلك الامتيازات والنفوذ، أو حصوله على دعم خارجي، أو اجتماع كل هذه العوامل معًا.
وهنا لا بد من التمييز بين ثلاثة مستويات من العلاقة أو التقاطع بين القوى السياسية.
أولًا: التقاطع المرحلي
وهو وجود أطراف ليست بالضرورة حليفة، حتى على المستوى التكتيكي، لكنها تتفق حول ضرورة إزاحة عَمرو، أو تعتبر زيدًا عدوًا مشتركًا.
فالتقاطع هنا لا يعني بالضرورة وجود تحالف. بمعنى آخر: شخص “أ” لا يتفق مع “ج”، وشخص “ب” لا يتفق مع “ج”. هذا لا يعني أن “أ” و”ب” أصبحا حليفين، بل يعني فقط أنهما يتقاطعان مؤقتًا في موقف معين.
وقد يضم هذا التقاطع أطرافًا بينها تناقضات رئيسية، وليس فقط تناقضات ثانوية، لأنه في النهاية مجرد تقاطع حول قضية أو هدف محدد.
ثانيًا: التحالف التكتيكي
هنا نتحدث عن وجود تحالف ووحدة ساحات قائمة بين أطراف مختلفة. لكن التحالف في حد ذاته ليس الهدف، بل هو وسيلة تفرضها المرحلة بسبب وجود عدو أكبر أو خطر مصيري. وهنا يمكن إدخال المفهوم الماوي المتعلق بالتناقض الرئيسي والتناقض الثانوي. فعندما يطغى التناقض الرئيسي، قد يجعل التحالف بين طرفين ضروريًا، بل وحتميًا، رغم وجود تباينات فكرية أو سياسية بينهما.
لكن هذا التحالف لا يلغي التناقضات القائمة، ولا يعني أن الطرفين أصبحا أصحاب مشروع واحد، بل يعني أن وحدة المصير أو مواجهة الخطر الرئيسي تفرض تحالفًا في مرحلة محددة.
ثالثًا: التحالف الاستراتيجي ووحدة المشروع الفكري/السياسي. وهذا هو أعمق مستويات التقاطع.
هنا لا يصبح الاتفاق قائمًا فقط على “لا”، بل ينتقل إلى الاتفاق على “نعم”. أي إن الأطراف لا تتفق فقط على رفض عدو أو مواجهة خطر، بل على مشروع سياسي وفكري واجتماعي مشترك.
على سبيل المثال، قد تتفق مجموعة من الأحزاب اليسارية على تكوين جبهة، ليس فقط من أجل مواجهة خصم معين، بل من أجل بناء مشروع مشترك يمتد إلى ما بعد تلك اللحظة السياسية. مثال ذلك تجربة الجبهة الشعبية في تونس، والحركة الوطنية اللبنانية، والجبهة الشعبية الجديدة في فرنسا.
أين تكمن الخطورة في كل هذا؟
تكمن الخطورة عندما يتحول التقاطع الظرفي إلى تحالف تكتيكي، ثم يتحول التحالف التكتيكي إلى تحالف استراتيجي ووحدة فكرية، دون أن يكون هناك أساس حقيقي لذلك.
في التقاطع الظرفي، قد نتفق مع تنظيمات أو أحزاب سياسية حول ضرورة إزاحة فلان أو مواجهة جهة معينة، لكن ذلك لا يعني أبدًا أنه لا توجد بيننا تناقضات، قد تكون في بعض الأحيان تناقضات رئيسية. ففي النهاية، قد تكون تلك الأطراف نفسها قادرة على إعادة إنتاج ما هو قائم، أو حتى دفع الأمور إلى الوراء، أي إنها قد تكون أطرافًا رجعية في ممارستها، رغم التقاطع المؤقت معها.
والخطورة في تحويل هذا التقاطع إلى تحالف تكمن في هيمنة الأطراف الأقوى ماديًا وشعبيًا ونفوذًا على بقية الأطراف، خاصة عندما تكون هناك قوى مرتبطة أصلًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالطرف الذي يشكل التناقض الرئيسي (في هذه الحالة الإمبريالية الأميركية أو الصهيونية)، أو تمتلك مصالح تجعلها غير معنية فعليًا بتغييره جذريًا. وهنا يصبح الطرف الأضعف مجرد أداة يمكن التخلص منها بعد انتهاء المهمة.
مثال الانتفاضات العربية
يمكن أن نجد مثالًا على ذلك في الانتفاضات العربية التي بدأت سنة 2011، والتي شاركت فيها قوى وفئات اجتماعية وسياسية مختلفة. لكن، بسبب غياب مشروع فكري وسياسي مشترك قادر على تنظيم هذه القوى وتحديد ما بعد إسقاط الأنظمة، هيمنت في كثير من الحالات فئات وقوى أخرى على المشهد، لم تكن بالضرورة أكثر تقدمية، بل كانت أحيانًا أكثر رجعية وأكثر ارتباطًا بالخارج. وهنا تظهر المشكلة: فالتقاطع حول إسقاط النظام لا يعني بالضرورة الاتفاق حول طبيعة النظام الذي سيأتي بعده. الاتفاق على” لا” لا يكفي إذا لم نكن نعرف ما هي “النعم” التي نريد بناءها.
أما الخطورة الثانية فتظهر عندما يتحول التحالف التكتيكي إلى تحالف استراتيجي بصورة غير واعية.
ليست المشكلة في التحالف الذي تفرضه وحدة المصير أو التناقض الرئيسي، بل على العكس، قد يكون هذا التحالف ضرورة سياسية. لكن الخطر الأكبر يكمن في فقدان مشروعك الفكري والسياسي وخطابك الخاص.
فتصبح مجرد رقم داخل هذا التحالف التكتيكي، بدل أن تكون صاحب مشروع مستقل يتقاطع ويتحالف مع مشروع آخر، رغم وجود التباين والاختلاف بينهما.
وهنا يبدأ الذوبان السياسي. فالحركة أو الحزب يدخل التحالف بوصفه صاحب مشروع، لكنه مع مرور الوقت يتخلى عن خطابه، ويؤجل تناقضاته، ويتوقف عن التعبير عن رؤيته الخاصة بحجة الحفاظ على وحدة التحالف.
وفي النهاية، يصبح جزءًا من مشروع الحليف، لا حليفًا يمتلك مشروعه الخاص. لهذا، حين نتقاطع، لا يعني ذلك أننا تحالفنا وحين نتحالف تكتيكيًا، لا يعني ذلك أننا أصبحنا مشروعًا واحدًا، أو أننا أصبحنا جزءًا من مشروع الحليف فكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا وخطابيًا.
التحالف ضرورة في السياسة أحيانًا، لكن الضرورة لا تعني الذوبان. يمكن أن نصعد جميعًا إلى سفينة واحدة لمواجهة الطوفان، لكن ذلك لا يعني أن الجميع أصبحوا أصحاب المشروع نفسه، أو أن علينا أن نغادر السفينة وقد فقدنا هويتنا ومشروعنا.