فورين أفيرز: حان وقت انسحاب أميركا من الشرق الأوسط

آب 11, 2026 الناشر 11 قراءة 1 دقائق قراءة

رأت مجلة فورين أفيرز أن الولايات المتحدة ينبغي أن تنهي وجودها العسكري في الشرق الأوسط، معتبرة أن عقود التدخل العسكري الأميركي لم تحقق الأمن الذي سعت واشنطن إلى ضمانه، بل أسهمت في تفاقم الصراعات الإقليمية وتعريض القوات والمصالح الأميركية للخطر، داعية إلى تحويل التركيز نحو الدبلوماسية والاقتصاد والعمل الإنساني.

وبحسب المقال، الذي ترجمه نون بوست، فإن الحرب الأخيرة مع إيران تمثل أحدث نتيجة لسلسلة من السياسات الأميركية الممتدة لنحو 35 عامًا، والتي جعلت الولايات المتحدة أقل أمنًا وأسهمت في تعميق الاضطرابات في الشرق الأوسط. ويشير المقال إلى أن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة عزز اعتقاد واشنطن بأن أمنها يتطلب استمرار الحروب والتدخل في الصراعات، في حين جعل وجود القوات والقواعد الأميركية الدول المضيفة أكثر عرضة للهجمات الإيرانية والجماعات المدعومة منها.

كلفة عسكرية وبشرية باهظة
ويعود المقال إلى حرب الخليج عامي 1990 و1991، التي كرّست الدور العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن واشنطن أبقت منذ ذلك الحين عشرات الآلاف من الجنود في المنطقة بهدف حماية تدفق الطاقة، ودعم “إسرائيل”، ومكافحة الجماعات الإرهابية وردع إيران.

ويرى المقال أن هذا الانتشار تحول إلى عبء على الولايات المتحدة والدول المضيفة، إذ أدى إلى تعريض القوات الأميركية لهجمات والى جر واشنطن إلى صراعات محلية متواصلة. ويستشهد بحرب العراق بعد عام 2003، التي أدخلت القوات الأميركية في صراع طويل وجعلتها عرضة لهجمات ميليشيات مدعومة من إيران، فضلًا عن عودة القوات الأميركية إلى العراق عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة بعد انسحابها بدرجة كبيرة عام 2011.

ويقدّر المقال تكلفة الحروب الأميركية في أفغانستان والعراق ومسارح عمليات أخرى ضمن “الحرب على الإرهاب” بنحو 8 تريليونات دولار، مشيرًا إلى مقتل أكثر من 15 ألفًا من أفراد القوات المسلحة والمتعاقدين الأميركيين وإصابة 1.8 مليون جندي بإعاقات. كما يذكر أن أكثر من 940 ألف شخص قتلوا جراء العنف المباشر في المنطقة، بينهم 432 ألف مدني، إضافة إلى ملايين الوفيات المرتبطة بالآثار غير المباشرة لانهيار الدولة والنزاعات، ونزوح 38 مليون شخص.

دعم حلفاء مثيرين للجدل
ويشير المقال إلى أن السياسة الأميركية لم تقتصر على التدخل العسكري المباشر، بل شملت دعم حكومات إقليمية ساهمت، بحسب المقال، في ممارسات قمعية وصراعات داخلية. ويذكر في هذا السياق دعم واشنطن للحكومة المصرية، واستمرار دعم الحملة السعودية في اليمن، فضلًا عن تمكين الإمارات من لعب دور في الحرب الأهلية السودانية.

ويعتبر المقال أن العلاقة الأميركية بـ”إسرائيل” تقدم مثالًا آخر على مخاطر العلاقات الأمنية العميقة، إذ يرى أن الدعم الأميركي للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أسهم في تقويض فرص السلام مع الفلسطينيين، وأن هذا الدعم مكّن “إسرائيل”، وفق ما يورده المقال نقلًا عن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة وباحثين إسرائيليين ومنظمات مجتمع مدني، من ارتكاب ما وصفه المقال بأنه إبادة جماعية في غزة. كما يشير إلى انضمام الولايات المتحدة إلى “إسرائيل” في الحرب على إيران في فبراير/شباط 2026.

الانسحاب بدلًا من إعادة بناء القواعد
ويدعو المقال واشنطن إلى البدء بسحب قواتها من الشرق الأوسط بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مستقر مع إيران، محذرًا من أن إعادة بناء القواعد المتضررة وبيع أسلحة جديدة للحلفاء سيعيد إنتاج المخاطر نفسها.

ويشير إلى أن بعض محللي الدفاع يؤيدون الإبقاء على وجود عسكري أميركي أصغر، وأن البنتاغون يدرس هذا الخيار وفق ما نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”. إلا أن المقال يرى أن الانسحاب الجزئي لن يزيل المخاطر، لأن القوات الأميركية ستظل هدفًا لإيران ووكلائها، وستحتاج واشنطن إلى موارد كبيرة لحمايتها.

ويؤكد المقال أن الانسحاب الكامل لا يعني إنهاء التعاون مع دول المنطقة، إذ يمكن للولايات المتحدة مواصلة تقديم مساعدات أمنية في دول مثل لبنان، بما يعزز قدرة الدولة ومؤسساتها الرسمية على حماية السيادة. لكنه يشدد على ضرورة ربط المساعدات ومبيعات الأسلحة بالقانون الأميركي والدولي، ووقف الدعم عندما يرتكب المستفيدون انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

كما يدعو إلى زيادة الجهود الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية، وتعزيز المساعدات للفلسطينيين، ودعم مشاريع التكامل الاقتصادي وتنويع طرق تصدير الطاقة بعيدًا عن مضيق هرمز، إلى جانب استخدام المساعدات الأميركية كوسيلة للضغط على دول مثل الإمارات و”إسرائيل” لتحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان وإنهاء سياساتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار.

هل الانسحاب يهدد أمن الطاقة؟
ويرد المقال على أبرز الحجج المؤيدة لاستمرار الوجود العسكري الأميركي، وفي مقدمتها حماية أسواق الطاقة وحرية الملاحة. ويعتبر أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران هي التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، وأن عدم تمكن الجيش الأميركي من إعادة فتحه بالقوة أثار تساؤلات حول فعالية الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

ويرى أن إيران ودول الخليج تشترك في مصلحة الحفاظ على تدفق الطاقة، كما أن تحوّل الولايات المتحدة إلى منتج رئيسي للطاقة، ونمو قطاع الطاقة المتجددة، وسعي المنتجين إلى إيجاد طرق بديلة لتصدير الطاقة، كلها عوامل جعلت مصادر الإمداد العالمية أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على المضيق.

إيران ومكافحة الإرهاب وأمن “إسرائيل”
ويرى المقال أن الحرب الأخيرة أظهرت محدودية قدرة القوة العسكرية الأميركية على احتواء إيران أو حماية حلفاء واشنطن في الخليج من الهجمات الإيرانية، داعيًا دول الخليج إلى تطوير ترتيبات أمنية إقليمية أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة، مع استمرار الدعم الاقتصادي والدبلوماسي الأميركي.

وفي مجال مكافحة الإرهاب، يجادل المقال بأن استمرار الوجود العسكري لا يمثل بالضرورة وسيلة أكثر فاعلية، مشيرًا إلى أن الغارات الجوية والغزوات الأميركية ساهمت، بحسب تقديره، في تأجيج هجمات الجماعات المسلحة. ويقترح بدلًا من ذلك الاعتماد بصورة أكبر على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا المتقدمة، مع إمكانية إعادة نشر القوات الأميركية بصورة محدودة إذا نشبت أزمة تهدد الولايات المتحدة مباشرة.

أما بشأن أمن “إسرائيل”، فيرى المقال أنها تمتلك قدرات عسكرية متقدمة وتمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها، ويقترح جعل المساعدات العسكرية الأميركية مشروطة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والسعي إلى السلام مع الفلسطينيين ووقف العمليات العسكرية في إيران ولبنان وسورية.

التركيز على الصين وروسيا
ويحذر المقال من أن استمرار التورط الأميركي في الشرق الأوسط قد يحد من قدرة واشنطن على التعامل مع التحديات التي تفرضها الصين وروسيا في آسيا وأوروبا.

ويرى أن الولايات المتحدة ستواجه صعوبة أكبر في التعاون مع حلفائها الآسيويين والأوروبيين إذا بقيت مستنزفة في الشرق الأوسط، في حين لا يرى المقال خطرًا كبيرًا في أن تحل الصين أو روسيا محل الولايات المتحدة في المنطقة، معتبرًا أن الصين لا تزال حذرة بشأن استخدام قوتها العسكرية خارج حدودها المباشرة، بينما يتراجع الوجود الروسي في المنطقة منذ سقوط الرئيس السوري بشار الأسد.

رأي عام أميركي أقل حماسًا للحروب
ويشير المقال إلى تزايد التعب الأميركي من التدخلات الخارجية بعد عقود من الحروب، مستشهدًا باستطلاع لمعهد “سيرشلايت” أظهر أن 62 بالمئة من الأميركيين يفضلون البقاء “بعيدًا عن الحروب قدر الإمكان”، مقابل 33 بالمئة يؤيدون استخدام القوة العسكرية عندما يعود ذلك بالنفع على البلاد.

كما يذكر أن غالبية الشباب الأميركيين، بمن فيهم أكثر من نصف الجمهوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و44 عامًا، يعارضون حرب 2026 مع إيران، معتبرًا أن الحرب واجهت معارضة شعبية منذ بدايتها، في وقت يكون فيه التأييد للحروب عادةً في أعلى مستوياته.

ويخلص المقال إلى أن هناك فجوة بين مواقف الرأي العام والسياسة التي تتبعها الإدارة الأميركية، مشيرًا إلى أن الرئيس دونالد ترامب وصل إلى الرئاسة مرتين منتقدًا الحروب الأميركية في الشرق الأوسط، قبل أن يشن حربًا على إيران. كما ينتقد المقال ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأميركي في وقت يواجه فيه الأميركيون ضغوطًا متعلقة بتكاليف المعيشة.

الخلاصة
ويخلص مقال فورين أفيرز إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك دورًا مهمًا في الأمن العالمي، خصوصًا في أوروبا وآسيا، لكنها ترى أن طريقة تعامل واشنطن مع أمن الشرق الأوسط ألحقت بها أضرارًا أكثر مما حققت لها منافع.

وبحسب المقال، فإن عقود الحروب والتدخلات الأميركية في المنطقة كلفت واشنطن أرواحًا وأموالًا طائلة، ولم تحقق المستوى المنشود من الأمن، كما شتتت اهتمامها عن التحديات الاستراتيجية في آسيا وأوروبا. لذلك يدعو المقال إلى إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط والتحول نحو الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والعمل الإنساني.