يتناول اللواء الدكتور أسامة إبراهيم، في دراسة نشرها مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أبعاد الموقف الصيني من الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران، موضحًا أن بكين تنظر إلى الأزمة من منظور يتجاوز البعد السياسي، ليشمل أمن الطاقة، ومشروع “الحزام والطريق”، والتنافس مع الولايات المتحدة على إعادة تشكيل النظام الدولي.
ويرى الكاتب أن السياسة الصينية تجاه الحرب تستند إلى معادلة دقيقة تقوم على منع انهيار النظام الإيراني، من دون الانخراط العسكري المباشر أو خسارة الشراكات الاقتصادية الواسعة التي تربط الصين بدول الخليج العربي.
شراكة استراتيجية عمرها أربعة عقود
يشير الكاتب إلى أن الصين كانت من أوائل الدول التي اعترفت بالنظام الإيراني بعد الثورة الإسلامية عام 1979، انطلاقًا من رؤية استراتيجية اعتبرت أن تراجع النفوذ الأميركي في إيران يمثل تحولًا مهمًا في ميزان القوى الدولي.
وتطورت العلاقات بين البلدين تدريجيًا حتى بلغت مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بعد توقيع اتفاقية التعاون الممتدة لـ25 عامًا عام 2021، التي عززت التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية.
رفض للحرب… وتمسك بالشرعية الدولية
ويستعرض الكاتب الموقف الرسمي الصيني منذ اندلاع الحرب، موضحًا أن بكين وصفت العمليات العسكرية بأنها غير مفوضة من الأمم المتحدة، ومخالفة للقانون الدولي، ومحذرة من تداعياتها على أمن الخليج، واستقرار المنطقة، وسلامة الملاحة الدولية.
كما يؤكد أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي طرح رؤية تقوم على خمسة مبادئ رئيسية، هي احترام سيادة الدول، ورفض استخدام القوة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات بالحوار، واضطلاع القوى الكبرى بدور مسؤول في إدارة الأزمات.
ويرى الكاتب أن الصين حاولت تقديم نفسها بوصفها مدافعًا عن الشرعية الدولية، وليس طرفًا منحازًا إلى إيران، مع التركيز على ضرورة وقف إطلاق النار ومنع اتساع رقعة الحرب.
دبلوماسية نشطة لتطويق الأزمة
ويلفت الكاتب إلى أن بكين انتقلت من مرحلة إصدار المواقف السياسية إلى التحرك الدبلوماسي، عبر جولة المبعوث الصيني الخاص إلى الشرق الأوسط، التي شملت عددًا من الدول العربية، إلى جانب لقاءات مع مسؤولي مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية.
وتركزت التحركات الصينية، بحسب الدراسة، على الدعوة إلى وقف العمليات العسكرية، واحترام سيادة دول الخليج، وحماية الممرات البحرية، ومنع استهداف المنشآت المدنية.
لماذا تدافع الصين عن استقرار إيران؟
ويؤكد الكاتب أن حسابات بكين لا تقتصر على الاعتبارات السياسية، بل ترتبط بصورة مباشرة بمصالح استراتيجية واقتصادية واسعة.
فإيران تمثل أحد أهم موردي النفط إلى الصين، كما تشكل حلقة أساسية في مشروع “الحزام والطريق”، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يربط شرق آسيا بآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، ترى بكين أن أي انهيار للنظام الإيراني سيهدد استثماراتها، وسلاسل إمدادات الطاقة، ومشروعاتها الاستراتيجية الممتدة عبر القارة الأوراسية.
معادلة دقيقة مع الخليج
في المقابل، يشير الكاتب إلى أن الصين تدرك أن الانحياز الكامل إلى إيران قد يهدد علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج، التي يتجاوز حجم التبادل التجاري معها 300 مليار دولار، بينما تمثل السعودية والإمارات شريكين اقتصاديين وتكنولوجيين لا يمكن التفريط بهما.
كما تعتمد بكين بدرجة كبيرة على استقرار الخليج لضمان استمرار تدفق الطاقة، الأمر الذي يدفعها إلى المحافظة على سياسة التوازن بين جميع الأطراف، وتجنب أي خطوات قد تخل بهذه المعادلة.
استنزاف أميركي… وفرصة صينية
ويرى الكاتب أن الصين تستفيد، بصورة غير مباشرة، من استمرار انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لأنه يخفف من تركيزها الاستراتيجي على منطقة شرق آسيا، ويمنح بكين هامشًا أوسع لتعزيز نفوذها الدولي.
إلا أن الدراسة تؤكد في الوقت نفسه أن بكين تعتبر اقتراب النظام الإيراني من الانهيار خطًا أحمر، لأنه يهدد أمنها الطاقوي ومشروعاتها الاستراتيجية، وقد يدفعها إلى رفع مستوى انخراطها في الأزمة إذا تعرضت مصالحها الحيوية لخطر مباشر.
ثلاثة سيناريوهات للموقف الصيني
وتطرح الدراسة ثلاثة سيناريوهات محتملة للتعامل الصيني مع تطورات الحرب.
السيناريو الأول – وهو الأكثر ترجيحًا – يقوم على استمرار عدم الانخراط العسكري، مع مواصلة الدعم الدبلوماسي والاقتصادي لإيران، واستمرار شراء النفط الإيراني، طالما بقيت الحرب ضمن حدودها الحالية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في رفع مستوى الدعم غير المباشر، من خلال تعزيز التعاون التكنولوجي والاستخباراتي، وتفعيل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي عبر تجمع “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون.
في حين يبقى السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا، قائمًا على انخراط صيني أكبر لحماية مصالحه الاستراتيجية، عبر تعزيز الوجود البحري في بحر العرب ومضيق هرمز، واتخاذ خطوات اقتصادية ودبلوماسية أكثر حدة إذا تعرضت إمدادات الطاقة الصينية أو طرق التجارة الدولية لتهديد مباشر.
توازن دقيق
ويخلص الكاتب إلى أن بكين ستواصل، في المدى المنظور، انتهاج سياسة تقوم على منع انهيار إيران، مع تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو الإضرار بعلاقاتها الاستراتيجية مع دول الخليج.
ويرى أن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطًا بمسار العمليات العسكرية، ومدى تأثيرها على أمن الطاقة العالمي، واستقرار الممرات البحرية، ومصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية، التي أصبحت تجعلها لاعبًا رئيسيًا في معادلات الشرق الأوسط، حتى وإن كانت لا تزال تفضل استخدام أدوات الدبلوماسية والاقتصاد على الانخراط العسكري المباشر.