رأى الكاتبان آساف بوندي وآدم راز، في افتتاحية نشرتها صحيفة “هآرتس” أمس، أن عجز المؤسسة العسكرية “الإسرائيلية” عن محاسبة المسؤولين عن وفاة فلسطينيين خلال احتجازهم في قطاع غزة لا يعكس خللًا إداريًا أو قصورًا في منظومة التحقيق، بل يكشف عن آلية ممنهجة تحول دون الوصول إلى الحقيقة، وتجعل الإفلات من العقاب جزءًا من بنية النظام نفسه.
ويستند الكاتبان إلى ما كشفته الصحيفة من أن الجيش فتح عشرات التحقيقات بشأن وفاة معتقلين فلسطينيين داخل مراكز احتجاز، من دون أن تفضي أي منها إلى محاكمة مسؤولين، رغم أن هذه المرافق تخضع لإجراءات أمنية مشددة، تشمل المراقبة بالكاميرات، وتوثيق حركة الدخول والخروج، بما يجعل تحديد المسؤوليات، نظريًا، أمرًا ممكنًا.
منظومة لإنتاج الجهل
ويرى الكاتبان أن المشكلة لا تكمن في ضعف التحقيقات، بل في وجود نظام صُمم لمنع معرفة الحقيقة، إذ تُفتح الملفات بعد فترات طويلة، وتضيع الأدلة، وتُنسق إفادات العسكريين، بينما تُستبعد شهادات الفلسطينيين أو تُعامل باعتبارها غير موثوقة، قبل أن تُغلق القضايا بذريعة عدم كفاية الأدلة.
وبحسب المقال، فإن هذه الآلية لا تهدف إلى كشف الوقائع، بل إلى حماية المؤسسة من المساءلة، وترسيخ حالة من الجهل المتعمد لدى الرأي العام بشأن ما يجري داخل مراكز الاحتجاز.
ثقافة الإفلات من العقاب
ويؤكد الكاتبان أن ما يحدث لا يحتاج إلى أوامر مكتوبة، إذ يكفي، بحسب تعبيرهما، أن يدرك المنفذون حدود ما هو مسموح وما هو محظور، في ظل رسائل ضمنية تصدر عن القيادات، وتخلق مناخًا يسمح بتجاوز التعليمات من دون خشية من المحاسبة.
ويشير المقال إلى أن هذه الثقافة تمتد إلى مختلف حلقات المنظومة؛ من الجندي الذي لا يتوقع استدعاءه للتحقيق، إلى المحقق الذي يدرك أن الوصول إلى الجاني ليس مطلوبًا، وصولًا إلى المدعي العسكري الذي يعرف حدود القرارات المقبولة داخل المؤسسة.
المستوطنون… امتداد للمشهد
ولا يقتصر الأمر، وفق الكاتبين، على ما يجري داخل الجيش، بل يمتد إلى اعتداءات المستوطنين بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث تُنفذ أعمال عنف، في كثير من الأحيان، بحماية القوات العسكرية أو في ظل غياب أي تدخل فعّال لوقفها، بما يعزز الشعور بأن منظومة المحاسبة غائبة على مختلف المستويات.
الجريمة تتحول إلى مصدر فخر
ويذهب المقال إلى أن المشهد الحالي تجاوز مرحلة التغاضي عن الجرائم، ليصل إلى مستوى الاحتفاء بمرتكبيها، مستشهدًا بحالة الجندي إليئور أزاريا، الذي اعتبره وزير الدفاع يسرائيل كاتس “مقاتلًا متميزًا”، رغم إدانته سابقًا، في حين يرى الكاتبان أن العقوبة التي تعرض لها ارتبطت بتوثيق الواقعة أكثر من ارتباطها بالفعل نفسه.
كما يشيران إلى مواقف شخصيات سياسية، بينها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، معتبرين أنها تعكس تحول الاتهامات المتعلقة باعتداءات المستوطنين إلى ما يشبه وسامًا سياسيًا داخل أوساط اليمين “الإسرائيلي”.
دعوة إلى تدخل خارجي
ويخلص الكاتبان إلى أن الرهان على القضاء “الإسرائيلي” لم يعد، في نظرهما، كافيًا لوقف الانتهاكات، باعتبار أن المنظومة القضائية أصبحت جزءًا من البنية التي تسمح باستمرارها، وأن المجتمع “الإسرائيلي” غير قادر، أو غير راغب، في وضع حد لهذا المسار.
واستحضرا تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرين أن التغيير الحقيقي لم يبدأ إلا بعد الهزيمة والتدخل الخارجي وإعادة بناء المؤسسات، لينتهيا إلى الدعوة إلى تدخل دولي لوقف ما وصفاه باستمرار الجرائم بحق الفلسطينيين، محذرين من أن غياب أي تحرك سيؤدي، بحسب رأيهما، إلى تفاقم المأساة الإنسانية في قطاع غزة.