تضع التطورات السياسية المتلاحقة وتصريحات القادة الغربيين -وفي مقدمتها أفكار الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائمة على مبدأ “الدفع مقابل الحماية”- صناع القرار في منطقة الخليج العربي أمام لحظة تاريخية فارقة. لم تعد العلاقات الإستراتيجية التقليدية شيكًا على بياض، بل تحولت في المنظور الغربي الحديث إلى صفقات تجارية محكومة بلغة الأرقام والفواتير. إن التعامل مع دول الخليج كـ”غنائم مادية” أو مصادر لتمويل العجز الغربي يفرض على عواصم المنطقة مراجعة جذرية وعاجلة لعمق تحالفاتها وعقيدتها الأمنية.
إن حماية الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، ليست منّة غريبة أو خدمة مدفوعة الأجر تقدمها واشنطن؛ بل هي مصلحة إستراتيجية عليا للاقتصاد العالمي والقوى المستهلكة للطاقة شرقًا وغربًا. ومع ذلك، فإن استمرار الابتزاز السياسي والاقتصادي تحت غطاء “المظلة الأمنية” يؤكد أن الاعتماد المطلق على الحليف الأوحد بات يشكل ثغرة في جدار الأمن القومي الخليجي.
ولعل الخطوة الأولى والجذرية في صياغة هذا الوعي الجديد تبدأ من وقف استنزاف مقدرات دول الخليج وثرواتها من قبل أميركا والغرب، تحت حجة “الحماية الوهمية” من دول الجوار. لقد أثبتت التجارب التاريخية والقريبة أن القوى الغربية تعتمد استراتيجية “صناعة البعبع” وتضخيم المخاطر الإقليمية لتبقي على حالة الارتهان الأمني، مستغلة المخاوف المصطنعة لضمان استمرار تدفق مئات المليارات من الدولارات نحو خزائنها في صورة صفقات أسلحة مبالغ فيها أو تكاليف انتشار عسكري لا يخدم في المحصلة سوى أجنداتها الخاصة.
وهنا يبرز الحل الجذري والعملي لإنهاء هذا الاستنزاف التاريخي: إطلاق وتفعيل مشاريع التكامل الخليجي الشامل مع اليمن وإيران وبقية دول المنطقة. إن الانتقال من عقلية المحاور الصراعية إلى عقلية الشراكة والشبكات الاقتصادية والأمنية المتبادلة هو الضامن الحقيقي للأمن المستدام. فالأمن لا يُستورد من وراء البحار، بل يُصنع في الداخل عبر تصفير الخلافات البينية، وتحويل المنطقة من بؤرة توتر يستغلها الاستعمار الحديث إلى كتلة اقتصادية وجيوسياسية موحدة. إن مشاريع الربط البري، والسكك الحديدية، والشراكات النفطية، والاستثمارات التنموية المشتركة التي تضم ضفتي الخليج واليمن ستحول الممرات المائية من نقاط اشتباك إلى خطوط أمان وازدهار جماعي، مما يسحب كافة الذرائع من القوى الخارجية التي تقتات على انقسامات المنطقة.
وما يجب أن يدركه الغرب جيدًا هو أن السيادة القانونية على مضيق هرمز ومضيق باب المندب هي حق أصيل وحصري للدول المطلة عليها، انطلاقًا من أحكام القانون الدولي واتفاقيات جنيف ومبادئ “العبور البريء” أو “العبور المشروط” الذي ينظم حركة الملاحة البحرية. هذه السيادة تعني أن أمن هذه المضائق وحمايتها هي مسؤولية سيادية وإقليمية بالدرجة الأولى، وليست مسرحًا لفرض الإتاوات السياسية أو المادية من قوى عابرة للمحيطات تسعى لخصخصة الأمن الدولي لتحقيق مصالحها الخاصة.
وفي هذا السياق المتأزم، تكتسب التحذيرات المتكررة التي يطلقها السيد القائد العلم عبد الملك الحوثي أبعادًا استباقية تستدعي القراءة المتأنية؛ حيث يشدد باستمرار على أن المخططات والمؤامرات الأميركية والغربية لا تنظر إلى دول الخليج كشركاء بل كأهداف للاستنزاف المالي والسياسي، محذرًا من مغبة الاندفاع وراء الوعود الغربية الزائفة التي تسعى إلى توريط المنطقة في صراعات لا تخدم سوى مصالح واشنطن وتل أبيب. إن هذه التحذيرات تتقاطع مع الواقع لتؤكد أن تفكيك واحتواء الأزمات لن يأتي عبر الاستقواء بالخارج، بل عبر التنسيق الإقليمي المشترك والتكامل مع دول الجوار الذي يحمي ثروات شعوب المنطقة من النهب المقنع ويقطع الطريق أمام سياسات التخويف والابتزاز.
أمام هذا الواقع، لم تعد استراتيجية “تنويع التحالفات” مجرد خيار ديبلوماسي، بل أصبحت ضرورة وجودية. إن صياغة المستقبل تتطلب من قادة الخليج المضي قدمًا في ثلاثة مسارات إستراتيجية متوازية:
أولًا: بناء القوة الذاتية عبر تسريع وتيرة توطين الصناعات الدفاعية وتطوير منظومات ردع عسكرية مستقلة قادرة على حماية الحدود والمصالح الحيوية دون الحاجة لوساطة أجنبية.
ثانيًا: تصفير الأزمات الإقليمية والانخراط في التكامل الإقليمي مع اليمن وإيران ودول الجوار لبناء بيئة أمنية واقتصادية مشتركة تسحب البساط من تحت أقدام القوى الخارجية.
ثالثًا: التوازن الإستراتيجي الدولي عبر تمتين الشراكات الاقتصادية والسياسية مع أقطاب العالم الصاعدة كالصين وروسيا والهند، وتحويل الخليج من “ساحة نفوذ” إلى “لاعب دولي مستقر” يتعامل بنظام الند للند.
إن الثروة الخليجية يجب أن تكون درعًا للتنمية وبناء المستقبل، لا وقودًا لتمويل سياسات خارجية متقلبة لا تراعي سوى مصالحها الضيقة. لقد دقت ساعة الحقيقة، وعلى صناع القرار الاستفادة من هذه التحولات لإعادة تعريف علاقات الخليج بالعالم، والانتقال من مربع “البحث عن الحماية الوهمية” إلى مربع “صناعة السيادة الشاملة والازدهار الإقليمي المشترك”.