ملايين العراقيين في وداع الإمام الخامنئي.. رسائل الجغرافيا والعقيدة والسياسة

تموز 9, 2026 مرتضى سلطان 9 قراءة 1 دقائق قراءة

لم يكن تشييع الإمام السيد علي الخامنئي في مدينتي النجف وكربلاء مجرد محطة ضمن مراسم جنائزية خارج إيران، بل تحوّل إلى حدث سياسي واجتماعي عكس خصوصية العلاقة التي تربط العراق بإيران، وهي علاقة تتداخل فيها الجغرافيا والتاريخ والدين والسياسة والاقتصاد والأمن، بما يجعلها مختلفة عن علاقة طهران بأي دولة أخرى في المنطقة.

وشهدت مراسم التشييع مشاركة ملايين العراقيين من مختلف الشرائح الاجتماعية، إلى جانب حضور كبار المسؤولين العراقيين، وقادة القوى السياسية، ورجال الدين، وقيادات هيئة الحشد الشعبي، في مشهد تجاوز حدود البروتوكول الرسمي ليعكس عمقًا شعبيًا ومجتمعيًا يصعب تفسيره من منظور سياسي بحت.

تشييع خارج إيران يحمل دلالات استثنائية
عادة ما تقتصر مراسم تشييع القادة على الدولة التي ينتمون إليها، إلا أن اختيار العراق محطة رئيسية في تشييع السيد الخامنئي منح الحدث بعدًا استثنائيًا. فالنجف وكربلاء ليستا مدينتين عاديتين بالنسبة للإيرانيين، كما أن إيران ليست بالنسبة إلى العراق مجرد دولة مجاورة، بل ترتبطان بشبكة واسعة من الروابط الدينية والثقافية والاجتماعية الممتدة عبر قرون.

ولذلك، بدا المشهد وكأنه يعكس فضاءً اجتماعيًا ودينيًا مشتركًا أكثر من كونه مناسبة بين دولتين منفصلتين.

الجغرافيا أساس العلاقة
يشترك العراق وإيران بحدود تمتد لأكثر من 1400 كيلومتر، ما جعلهما على امتداد التاريخ في حالة تفاعل دائم، سواء في التجارة أو الهجرة أو الأمن أو الثقافة.

وتحوّل هذا العامل الجغرافي، بعد عام 2003، إلى عنصر أساسي في بناء علاقات سياسية واقتصادية وأمنية أكثر تشابكًا، خصوصًا مع توسع التبادل التجاري، وازدياد حركة الزوار، وتكثيف التعاون في ملفات الطاقة والحدود.

الروابط الدينية تتجاوز العلاقات الرسمية
تمثل العتبات المقدسة في النجف وكربلاء أحد أهم عناصر التقارب بين الشعبين، إذ يقصدها ملايين الإيرانيين سنويًا، فيما تحتفظ مدينة قم بمكانة علمية ودينية مهمة لدى العديد من علماء الدين العراقيين.

كما ساهمت الحوزات العلمية في البلدين في بناء شبكة طويلة من العلاقات العلمية والاجتماعية، انعكست على طبيعة التواصل بين المؤسستين الدينيتين.

ويظهر هذا البعد بوضوح في حجم المشاركة الشعبية العراقية في المناسبات الدينية المرتبطة بإيران، كما في المشاركة الإيرانية الواسعة في المناسبات الدينية العراقية.

إرث المواجهة المشتركة
رغم الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، شهدت العقود اللاحقة تقاربًا متزايدًا بين البلدين، خاصة بعد عام 2003.

وزادت الحرب على تنظيم داعش من مستوى التنسيق الأمني والعسكري، إذ تعاونت بغداد وطهران في دعم الجهود الرامية إلى مواجهة التنظيم، وهو ما عزز العلاقات بين المؤسسات الأمنية والعسكرية في البلدين.

التشييع بوصفه رسالة سياسية
إلى جانب طابعه الديني، حمل التشييع رسائل سياسية واضحة، فالحضور الرسمي العراقي، إلى جانب المشاركة الشعبية الكبيرة، عكس استمرار قنوات التواصل بين بغداد وطهران، في وقت تشهد فيه المنطقة تنافسًا إقليميًا ودوليًا على النفوذ.

كما أظهر الحدث أن العلاقة بين البلدين لا تستند إلى الحكومات وحدها، بل تقوم أيضًا على روابط اجتماعية ودينية يصعب تجاوزها أو إعادة تشكيلها في المدى القريب.

البعد الشعبي للعلاقة
أبرز ما كشفه التشييع هو أن العلاقة العراقية الإيرانية لا تقتصر على المؤسسات الرسمية، فالمشاركة الواسعة لعامة العراقيين، إلى جانب رجال الدين وشيوخ العشائر والقوى السياسية، تعكس وجود امتداد اجتماعي وثقافي يتجاوز الحسابات السياسية الآنية.

وفي المقابل، ينظر كثير من الإيرانيين إلى العراق بوصفه امتدادًا دينيًا وثقافيًا يرتبط بالمراقد المقدسة والحوزات العلمية، فضلًا عن الروابط العائلية والتجارية التي تشكلت عبر عقود طويلة.

علاقة تتجاوز نموذج العلاقات التقليدية
تكشف مراسم التشييع أن العلاقة بين العراق وإيران تختلف عن العلاقات الثنائية التقليدية بين الدول، إذ تتداخل فيها اعتبارات الجغرافيا والدين والمجتمع والاقتصاد والأمن، ما يمنحها قدرًا كبيرًا من التعقيد والاستمرارية.

ورغم ما تشهده المنطقة من تحولات سياسية وضغوط خارجية، فإن حجم المشاركة في مراسم التشييع يعكس أن هذه العلاقة تستند إلى قاعدة أوسع من التحالفات السياسية، وتستمد جزءًا مهمًا من قوتها من الروابط التاريخية والاجتماعية والدينية التي تربط الشعبين، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر العلاقات تشابكًا وتأثيرًا في معادلات الإقليم.