ليست كل الخطب تُلقى لتأبين قائد، وليست كل الجنائز تُقام لتوديع شهيد. فهناك لحظات في التاريخ تتحول فيها المراسم إلى إعلان سياسي، وتصبح الدموع لغةً لإعادة رسم خرائط القوة، ويتحوّل الحزن إلى فعل تأسيسي لمرحلة جديدة. من هنا، يمكن قراءة خطاب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم في مراسم تشييع الإمام الشهيد القائد السيد علي الخامنئي، لا باعتباره خطاب رثاء، بل بوصفه وثيقة سياسية وفلسفية ترسم ملامح ما بعد الاستشهاد.
لقد أكد الشيخ نعيم أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور حول اغتيال رجل، بل حول محاولة اغتيال فكرة. لذلك جاء خطابه ليؤكد أن المشروع الذي بُني على العقيدة لا يسقط برحيل قائده، وأن الأمم التي تصنعها المبادئ لا تُهزم بفقدان الأشخاص.
منذ اللحظة الأولى، لم يبدأ الخطاب بمفردات الحداد، بل بشعار “قوموا لله”. ولم يكن هذا الاختيار عفويًا، لأن القيام في القرآن هو فعل حركة، بينما الجلوس هو فعل انتظار. وكأن الرسالة تقول إن التشييع ليس نهاية الطريق، بل لحظة النهوض الكبرى. فالشهادة، في هذا المنطق، لا تُغلق التاريخ، وإنما تعيد فتحه على صفحة جديدة.
وهنا تتجلى الفلسفة التي لطالما ميّزت مدرسة المقاومة؛ فالقائد لا يُقاس بطول عمره، وإنما بقدرته على أن يجعل غيابه أكثر حضورًا من وجوده. ولهذا لم يتحدث الشيخ نعيم عن فقدان الإمام الخامنئي، بل عن بداية مرحلة جديدة ستغيّر معالم المنطقة وتوازناتها، في انقلاب كامل على الرهان الأميركي والصهيوني الذي اعتقد أن الاغتيال سيؤدي إلى انهيار المشروع من داخله.
لكن الخطاب لم يكتفِ بإعلان استمرار المشروع، بل انتقل مباشرة إلى تثبيت شرعية القيادة الجديدة. فإعلان الاستمرار مع سماحة السيد القائد مجتبى الخامنئي لم يكن مجرد موقف تنظيمي، بل رسالة سياسية إلى العالم بأن محور المقاومة لا يعيش على الأشخاص، وإنما على المؤسسات والعقيدة. أراد الشيخ نعيم أن يقول إن الانتقال القيادي جرى بهدوء وثقة، وإن الفراغ الذي راهن عليه الخصوم لم يوجد أصلًا.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الخطاب. فالأنظمة التي تُبنى على الفرد تخشى موت الفرد، أما المشاريع التي تُبنى على الفكرة فإنها تتحول بعد استشهاد قادتها إلى مشاريع أكثر رسوخًا، لأن الدم يصبح جزءًا من شرعيتها التاريخية.
وفي معرض حديثه عن الإمام الشهيد، لم يقدّمه الشيخ نعيم بوصفه مرجعًا دينيًا أو قائدًا سياسيًا فقط، بل رسم شخصية متعددة الأبعاد؛ فهو المرجع، والمفكر، والمربي، وصاحب الرؤية الاستراتيجية، وباني أسس الحضارة الإسلامية المعاصرة. وبهذا التوصيف، تصبح الولاية مشروعًا حضاريًا متكاملًا، لا مجرد موقع ديني أو سياسي.
إنها محاولة لإعادة تعريف القيادة باعتبارها صناعة للإنسان قبل أن تكون إدارة للدولة، وصناعة للاتجاه قبل أن تكون إدارة للصراع.
ومن أبرز محطات الخطاب وقوفه عند الحشود المليونية التي ملأت شوارع إيران والعراق. لم يتعامل معها الشيخ باعتبارها حدثًا عاطفيًا، بل بوصفها استفتاءً سياسيًا لم يحتج إلى صناديق اقتراع. فعندما خرج عشرات الملايين لتشييع الإمام الشهيد، لم يكونوا يشيعون رجلًا فقط، بل كانوا يصوتون لمشروع كامل.
ولهذا خاطب العالم قائلًا: “فليرَ العالم…”. إنها ليست دعوة لمشاهدة جنازة، بل دعوة لقراءة ميزان القوى الحقيقي. فالغرب يقيس الشرعية بالأرقام الانتخابية، بينما أراد الشيخ أن يقول إن هناك شرعية أخرى تُقاس حين تخرج الشعوب طوعًا، لا بدعوة السلطة، لتعلن انتماءها لفكرة دفعت أثمانها عبر عقود.
ولعل أكثر المقاطع دلالة في الخطاب كان حديثه عن العلاقة مع الإمام الشهيد، حين كشف أن الإمام لم يطلب من حزب الله شيئًا، بل كان يسأل دائمًا: ماذا يحتاجون؟ أعطوهم ما يريدون.
هذه الشهادة لم تكن رواية شخصية، بل ردًّا سياسيًا على كل الاتهامات التي تصف العلاقة بين إيران وحزب الله بأنها علاقة تبعية. لقد أراد الشيخ نعيم أن يرسم صورة مختلفة؛ علاقة قائمة على الدعم والثقة، لا على الإملاء والإكراه.
ثم انتقل إلى المقارنة الضمنية مع الولايات المتحدة، ليسأل خصومه: إذا كنتم تعيبون علينا علاقتنا بإيران لأنها تمنحنا القوة، فلماذا لا تسألون أنفسكم عن علاقتكم بأميركا التي تفرض الشروط وتأخذ ولا تعطي؟
وهنا يضع الشيخ نعيم معادلة سياسية واضحة: ليست المشكلة في وجود الحلفاء، بل في طبيعة العلاقة معهم؛ هل هي شراكة تحفظ الكرامة أم وصاية تُصادر القرار؟
بعد ذلك، غادر الخطاب فضاء التشييع إلى الساحة اللبنانية، فانتقل إلى نقد “اتفاق الإطار”. لكنه لم يناقشه من زاوية تقنية أو تفاوضية، بل من زاوية الشرعية. ولذلك كرر أوصافًا أربعة متتالية: غير شرعي، غير دستوري، غير ميثاقي، غير قانوني.
بهذا التوصيف، لم يكن يعترض على بعض البنود، بل كان ينزع عن الاتفاق أساسه القانوني والسياسي، ليؤسس لرواية مضادة تعتبر أن أي اتفاق لا ينطلق من حماية السيادة اللبنانية لا يمكن أن يُنتج استقرارًا، بل سيعمّق الانقسام الداخلي.
ومع ذلك، لم يكن الخطاب دعوة إلى الصدام الداخلي. فعندما قال: “لن ننجر إلى الفتنة”، كان يرسم حدود المواجهة. فهو يرفض الاتفاق، لكنه يرفض أيضًا تحويل الخلاف السياسي إلى اقتتال داخلي، في محاولة واضحة للفصل بين الصراع مع المشروع الأميركي ـ الصهيوني وبين الحفاظ على السلم الأهلي.
وفي الوقت نفسه، حمل الخطاب مفارقة سياسية لافتة، حين أعلن التمسك بمسار التفاهم الإيراني-الأميركي، مؤكدًا أن المقاومة ستبقى في الميدان ولن تتخلى عن قوتها. وكأن الرسالة تقول إن التفاوض لا يكون بديلًا عن المقاومة، بل أحد أدواتها حين يجري من موقع القوة لا من موقع الإذعان.
في المحصلة، لم يكن خطاب الشيخ نعيم قاسم مجرد تأبين للإمام الشهيد السيد علي الخامنئي، بل إعلانًا عن انتقال المشروع من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة تثبيت الحضور. لقد قدّم الشهادة باعتبارها ولادة جديدة، والحشود باعتبارها استفتاءً شعبيًا، والولاية باعتبارها مشروعًا حضاريًا، والمقاومة باعتبارها ضمانة للاستقلال لا عائقًا أمام بناء الدولة.
أما الرسالة الأعمق التي أراد إيصالها إلى الخصوم، فهي أن الذين يظنون أن اغتيال القادة يُنهي المشاريع، لم يقرأوا التاريخ جيدًا. فالتاريخ يعلمنا أن الأفكار العظيمة لا تبدأ غالبًا إلا بعد أن يرحل أصحابها، وأن الدم حين يمتزج بالعقيدة يتحول إلى قوة سياسية لا تستطيع الجيوش ولا الاغتيالات أن تطفئها.