لم يأتِ بيان سماحة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، وتصريح رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، يوم أمس السبت، بوصفهما موقفين منفصلين من “اتفاق الإطار”، بل شكّلا خطابًا سياسيًا متكاملًا يعبّر عن رؤية حزب الله للمرحلة المقبلة. غير أن لكل منهما وظيفة مختلفة؛ فبيان الأمين العام انطلق من موقع القيادة السياسية للمقاومة ضمن المشهد الإقليمي، فقرأ الاتفاق في سياق الصراع بين محور المقاومة والمشروع الأميركي–الإسرائيلي، وربطه بموازين القوى التي أفرزتها التفاهمات الإقليمية. أما تصريح النائب محمد رعد، فانطلق من موقعه الدستوري كرئيس لكتلة الوفاء للمقاومة في البرلمان اللبناني، فركّز على البعد الوطني الداخلي، وقرأ الاتفاق من زاوية السيادة والدستور والشرعية والإرادة الوطنية. ومن خلال تكامل هذين المستويين، تتضح ملامح موقف حزب الله الذي لا ينظر إلى “اتفاق الإطار” كوثيقة تفاوضية فحسب، بل كمنعطف سياسي يعيد تعريف مفهوم السيادة ومستقبل الصراع في لبنان.
ليست كل البيانات السياسية مجرد ردود فعل على الأحداث، فبعضها يؤسس لمرحلة كاملة ويعيد رسم خريطة الصراع. وهذا ما يمكن استخلاصه من بيان سماحة الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، وتصريح رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد حول ما سُمّي بـ”اتفاق الإطار” بين السلطة اللبنانية والعدو الصهيوني برعاية أميركية.
فالبيانان، رغم اختلاف الأسلوب، يشكلان وثيقة سياسية متكاملة ترسم رؤية حزب الله للمرحلة المقبلة، وتعلن أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الاحتلال أو السلاح، بل حول تعريف السيادة، وهوية الدولة، ومن يملك حق رسم مستقبل لبنان.
من معركة الميدان إلى معركة الرواية
بعد أن هدأت الجبهات العسكرية، انتقلت المواجهة إلى ساحة أكثر خطورة؛ ساحة تفسير نتائج الحرب.
فالطرف الذي يعجز عن فرض شروطه بالقوة، يحاول فرضها باللغة والاتفاقات والبيانات. ومن هنا يقرأ حزب الله “اتفاق الإطار” باعتباره محاولة لإعادة إنتاج نتائج الحرب سياسيًا بعد أن تعذر تحقيقها عسكريًا. ولهذا لا يناقش البيانان تفاصيل الاتفاق فحسب، بل يناقشان الرواية التي يريد الاتفاق تكريسها، لأن الروايات هي التي تصنع شرعية المستقبل.
السيادة… بين القدرة والوظيفة
يرفض البيانان اختزال السيادة في وجود مؤسسات رسمية أو توقيع اتفاقات دولية. فالسيادة، في فلسفة حزب الله، ليست صفة قانونية تمنحها الاعترافات الدولية، وإنما قدرة عملية على حماية الأرض وفرض الإرادة الوطنية.
ومن هنا يأتي الاتهام الأساسي للسلطة بأنها فاوضت وهي مجردة من عناصر القوة، بل إنها ـ وفق توصيف البيانين ـ تخلت طوعًا عن أهم أوراق القوة الوطنية، أي المقاومة، ثم دخلت إلى طاولة تفاوض تفرض فيها إسرائيل شروطها تحت المظلة الأميركية. وبذلك تصبح الدولة، بحسب هذا المنطق، حاضرة شكلاً وغائبة فعلاً.
قلب المفاهيم… أخطر من تبديل الوقائع
يكاد يكون هذا هو المحور الفلسفي الأهم في البيانين. فالشيخ نعيم قاسم يتحدث عن التفريط بالسيادة، بينما يذهب الحاج محمد رعد أبعد من ذلك عندما يتهم “الإطار الثلاثي” بتزوير الوقائع والمفاهيم. إنه اتهام يتجاوز السياسة إلى فلسفة الخطاب؛ فحين يُعاد تعريف المقاومة باعتبارها المشكلة، ويُقدَّم الاحتلال على أنه صاحب شروط أمنية مشروعة، يكون الصراع قد انتقل من مواجهة عسكرية إلى معركة على الوعي واللغة.
فالخطر، في نظر حزب الله، لا يكمن فقط في بقاء الاحتلال، بل في نجاحه في إعادة تعريف نفسه، بحيث يصبح صاحب الحق في مراقبة تنفيذ الالتزامات اللبنانية، بينما تتحول المقاومة من قوة دفاع إلى ملف أمني داخلي.
رفض نقل مركز الصراع من الاحتلال إلى السلاح
يتفق البيانان على أن جوهر “اتفاق الإطار” ليس في إجراءاته التقنية، بل في الفلسفة التي يقوم عليها. فالانسحاب الإسرائيلي، وفق ما يرفضه حزب الله، لم يعد حقًا يفرضه القانون الدولي وواقع الاحتلال، بل أصبح مشروطًا بتنفيذ لبنان خطوات تتعلق بنزع سلاح المقاومة. وهنا تنقلب المعادلة بالكامل؛ إذ يتحول الاحتلال من أصل المشكلة إلى نتيجة، بينما يصبح السلاح هو القضية الأولى. وهذا، في القراءة التي يقدمها البيانان، ليس مجرد تعديل سياسي، بل إعادة صياغة كاملة لمفهوم الصراع في لبنان.
الولايات المتحدة… من وسيط إلى شريك
يلغي الخطابان فكرة الوسيط الأميركي المحايد. فالولايات المتحدة، وفق هذه الرؤية، ليست راعية للتفاوض، وإنما شريك في صياغة مشروع سياسي يخدم الاحتلال. ولهذا يرفض الحاج محمد رعد حتى التسمية الرسمية للاتفاق، ويطلق عليه “الإطار الثلاثي”، في محاولة لنزع الصفة الوطنية عنه، وإظهار أن السلطة اللبنانية لم تتصرف كطرف مستقل، بل كجزء من منظومة تقودها واشنطن ويستفيد منها الاحتلال. إنها محاولة لإعادة تعريف هوية الاتفاق قبل مناقشة مضمونه.
إيران… ورقة القوة التي غيّرت المعادلة
في المقابل، يقدّم البيانان رواية مختلفة لوقف إطلاق النار. فبدل أن يُنسب الإنجاز إلى المفاوضات المباشرة، يؤكدان أن التحول الحقيقي جاء نتيجة التفاهم الإيراني الأميركي، وإغلاق مضيق هرمز، والضغط الذي فرض على الولايات المتحدة لإلزام الاحتلال بوقف النار. وبذلك يقوم حزب الله بتثبيت معادلة تقول إن القوة الإقليمية هي التي صنعت شروط التفاوض، بينما جاء “اتفاق الإطار” ليبدد هذه الأوراق ويمنح الاحتلال مكاسب مجانية.
لغة الإدانة… إعلان معركة سياسية جديدة
اللافت في البيانين أنهما يستخدمان لغة تتجاوز النقد السياسي التقليدي. فالحديث عن “الخطيئة”، و”العار”، و”الخزي”، و”التفريط”، و”تزوير الإرادة”، يكشف أن حزب الله لا يريد التعامل مع الاتفاق باعتباره اجتهادًا سياسيًا يمكن الاختلاف حوله، بل يعتبره خروجًا عن الثوابت الوطنية. وهذا التصعيد اللغوي يهدف إلى منع الاتفاق من اكتساب شرعية سياسية أو شعبية، وتحويله إلى قضية رأي عام وطني، لا إلى مجرد تفاوض بين السلطة والخصوم.
بين المقاومة والدولة… لا إسقاط للدولة بل إعادة تعريفها
ورغم حدة الخطاب، فإن البيانين لا يعلنان القطيعة مع الدولة اللبنانية، بل على العكس، يختمان بالدعوة إلى التعاون، وبناء استراتيجية أمن وطني، واستعادة الأرض، وإعادة الإعمار، والتفاهم على مستقبل البلد.
وهذا يعني أن حزب الله لا يطرح نفسه بديلاً عن الدولة، بل يسعى إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة؛ دولة تستند إلى عناصر القوة الوطنية، لا دولة تدير التنازلات تحت الضغط.
الخاتمة… معركة ما بعد الحرب
تكشف قراءة البيانين أن حزب الله يعتبر أن الحرب لم تنتهِ بتوقف إطلاق النار، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها الصراع على تفسير نتائجها. فالمعركة اليوم، في نظره، ليست بين الحرب والسلم، وإنما بين مشروعين: مشروع يرى أن السيادة تُصنع بالقوة والقدرة على فرض الإرادة الوطنية، ومشروع آخر يجعلها رهينة التفاهمات الدولية والشروط التي يفرضها الاحتلال.
ولهذا يمكن اعتبار بيان الشيخ نعيم قاسم وتصريح الحاج محمد رعد إعلانًا عن انتقال حزب الله من إدارة المعركة العسكرية إلى إدارة معركة الوعي والسيادة، حيث لم تعد البنادق وحدها ترسم مستقبل لبنان، بل أصبحت الروايات والاتفاقات والمفاهيم هي الساحة الجديدة التي سيتحدد عليها شكل الدولة وحدود استقلال قرارها في السنوات المقبلة.