ليست كل المواقف السياسية تُقرأ بميزان اللحظة، فهناك مواقف تتجاوز الحدث لتتحول إلى امتداد لتاريخ وفكرة ورسالة. ومن هذا النوع جاءت مواقف دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري من اتفاق واشنطن، إذ لم يتحدث كرئيس لسلطة دستورية فحسب، ولا كرئيس لحركة سياسية فقط، بل بوصفه حاملًا للأمانة التي تركها الإمام السيد موسى الصدر (أعاده الله سالمًا)؛ الأمانة التي اختزلها الإمام في عبارته الخالدة: “إسرائيل شر مطلق، والتعامل معها حرام.”
لهذا، فإن كلام الرئيس بري لا يمكن اختزاله في رفض اتفاق سياسي، لأن القضية بالنسبة إليه ليست تقنية تفاوضية ولا خلافًا على بعض البنود، بل صراع على هوية لبنان وموقعه التاريخي، وعلى تعريف العدو نفسه. فالذي يعتبر إسرائيل “شرًا مطلقًا” لا يستطيع أن يقبل بأن تتحول العلاقة معها إلى علاقة قابلة للتفاوض السياسي خارج منطق إنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق.
لقد بدا واضحًا أن الرئيس بري لا يخوض معركة ضد نص مكتوب، بل ضد فلسفة كاملة تحاول إعادة ترتيب الأولويات. فمنذ سنوات طويلة كان السؤال في لبنان: كيف يُلزم الاحتلال بالانسحاب؟ أما اليوم، فإن اتفاق الإطار يحاول أن يجعل السؤال: ماذا يجب أن يقدم لبنان أولًا حتى ينسحب الاحتلال؟ وهنا تكمن الخطورة التي التقطها الرئيس بري مبكرًا، لأن انتقال الدولة من موقع صاحب الحق إلى موقع طالب الرضا، يعني انقلابًا في فلسفة الصراع كلها.
ومن هنا جاءت عبارته الصادمة عندما وصف الاتفاق بأنه “أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار”. لم يكن يقارن نصًا بنص، بل كان يقارن مشروعًا بمشروع. فـاتفاق 17 أيار كان محاولة لفرض واقع سياسي بعد اجتياح عسكري، أما اليوم، فإن المشروع الجديد، وفق قراءته، يحاول تحقيق ما عجزت الحرب عن فرضه، عبر السياسة والضغوط الدولية، وربط الحقوق اللبنانية بشروط يضعها الاحتلال نفسه.
لكن أكثر ما يلفت في خطاب الرئيس بري أنه نقل المواجهة من حدود الجنوب إلى حدود الوعي الوطني. فهو يرى أن إسرائيل لم تعد تراهن فقط على الدبابة والطائرة، بل على صناعة الانقسام الداخلي، لأن المجتمع المنقسم يحقق للاحتلال ما لا تحققه الجيوش. ولهذا اختصر موقفه بكلمة واحدة: “إنها الفتنة.”
في الفكر السياسي، الفتنة ليست مجرد خلاف بين فريقين، بل هي اللحظة التي يتحول فيها الاختلاف إلى أداة يستخدمها الخارج لإعادة تشكيل الداخل. ولذلك استشهد الرئيس بري بوصية الإمام علي عليه السلام: “كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيُركب ولا ضرع فيُحلب.” فالتحذير هنا ليس من المعارضة، بل من تحويل اللبنانيين إلى وقود في مشروع لا يخدم إلا الاحتلال.
ولعل أكثر ما يكشف عمق رؤيته هو رفضه القاطع لأي مواجهة داخلية، وإصراره على أن تكون المعركة داخل المؤسسات الدستورية. فهو لم يدعُ إلى النزول إلى الشارع، ولم يهدد بإسقاط الدولة، بل أعلن أن المواجهة ستكون في مجلس الوزراء ومجلس النواب، لأن قوة الموقف الوطني، في نظره، تنبع من شرعيته الدستورية لا من الفوضى.
وفي السياق نفسه، جاء تحذيره من المساس بالمؤسسة العسكرية. فقوله: “لا يمزحن أحد هذه المزحة… ولا يلعبن أحد بالجيش” يعكس إدراكًا بأن تفكيك الجيش يعني إسقاط آخر مؤسسة جامعة للبنانيين. ومن هنا تتكامل رؤيته؛ فلا فتنة، ولا صدام أهلي، ولا استهداف للمؤسسات، لأن ذلك هو الهدف الذي يسعى إليه الاحتلال عندما يعجز عن فرض إرادته في الميدان.
ولا يتوقف خطاب الرئيس بري عند حدود الداخل اللبناني، بل يتجاوزها إلى قراءة عميقة لموازين القوى في الإقليم. فهو، وللمرة الأولى بهذه الصراحة، يعتبر أن الفرصة الواقعية لانتزاع حقوق لبنان لا تكمن في تفاوض لبناني منفرد مع الاحتلال، بل في المسار التفاوضي الإيراني-الأميركي، باعتباره الإطار القادر على إنتاج توازنات تفرض على إسرائيل تنفيذ التزاماتها. وهذه ليست دعوة إلى رهن القرار اللبناني بالخارج، بقدر ما هي اعتراف بطبيعة النظام الدولي، حيث لا تُنتزع الحقوق بالشعارات، بل بتوازنات القوة. فلبنان، في نظر بري، لا يفاوض من موقع الندّية مع الاحتلال، بينما يتيح التفاوض الإقليمي فرض معادلات تعجز الدولة اللبنانية وحدها عن فرضها. ومن هنا يصبح الرهان على هذا المسار جزءًا من فلسفة حماية الحقوق، لا بديلًا عن القرار الوطني، لأن السياسة في النهاية ليست إدارة للنوايا، بل إدارة لموازين القوى.
ومن اللافت أيضًا أنه استحضر تجربة جبهة الخلاص الوطني التي أسقطت اتفاق 17 أيار، وكأنه يوجه رسالة إلى اللبنانيين بأن إسقاط الاتفاقات المفروضة لا يتم بالعنف، بل بتشكيل إرادة وطنية عابرة للطوائف والانقسامات. لذلك لم يكن حديثه عن تطابق موقفه مع وليد جنبلاط مجرد مجاملة سياسية، بل إعلانًا بأن معركة اليوم يجب أن تكون معركة وطنية لا معركة فئوية.
إن فلسفة الرئيس بري السياسية، كما ظهرت في هذه الأزمة، تقوم على معادلة دقيقة: حماية المقاومة لا تكون بإشعال الداخل، وحماية الدولة لا تكون بالتنازل عن السيادة، وحماية الوحدة الوطنية هي الشرط الأول لحماية لبنان. لهذا، فإن كلمته الأخيرة لم تكن مجرد موقف سياسي، بل محاولة لإعادة تعريف الصراع كله. فالمعركة، في نظره، لم تعد فقط مع احتلال يسيطر على أرض، بل مع مشروع يريد أن يعيد تشكيل وعي اللبنانيين، وأن يجعلهم ينسون أن إسرائيل هي أصل الأزمة. ومن هنا يصبح رفض الاتفاق دفاعًا عن هوية لبنان قبل أن يكون رفضًا لبند أو وثيقة.
وهكذا، يظهر الرئيس نبيه بري في هذه اللحظة بوصفه أكثر من رئيس مجلس نواب أو زعيم سياسي؛ يظهر كامتداد لمدرسة الإمام موسى الصدر التي جعلت من مقاومة الاحتلال موقفًا أخلاقيًا قبل أن تكون خيارًا سياسيًا. ولذلك فإن أثر كلماته لن يقاس بما أحدثته من جدل في الداخل اللبناني فحسب، بل بما رسمته من حدود فاصلة بين مشروع يرى في الاحتلال شرًا مطلقًا لا يمكن التعايش معه، ومشروع آخر يحاول إعادة صياغة العلاقة معه تحت عناوين السياسة والتسويات. وبين المشروعين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة في لبنان والمنطقة.