الفتنة أخطر من أي اتفاق… وحكمة المقاومة تحمي لبنان

حزيران 27, 2026 حسين الهادي 29 قراءة 1 دقائق قراءة

ليس أخطر ما يواجه لبنان اليوم الاتفاق الذي وُقّع في واشنطن بحدّ ذاته، بل ما قد يترتب عليه من محاولات لجرّ البلاد إلى انقسام داخلي وفتنة لا تخدم إلا العدو الإسرائيلي. فمهما اختلفت الآراء حول هذا الاتفاق، بين من يراه تسوية سياسية ومن يعتبره تنازلًا عن حقوق لبنان وعناصر قوته، تبقى الحقيقة أنّ الحفاظ على السلم الأهلي هو الأولوية الوطنية التي لا يجوز التفريط بها تحت أي ظرف.

إنّ المقاومة التي قدّمت على مدى عقود التضحيات دفاعًا عن لبنان، وكانت السدّ المنيع في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، لا يمكن أن تكون في موقع من يريد إشعال الداخل أو دفع اللبنانيين إلى مواجهة بعضهم البعض. فهي، كما أثبتت التجارب، حريصة على الوطن بكل مكوّناته، وعلى أمن اللبنانيين جميعًا، وتدرك أنّ أي فتنة داخلية ستؤدي إلى إضعاف لبنان وسلبه أهم عناصر قوته، وهو ما يسعى إليه الاحتلال منذ سنوات.

ولا شك أنّ ما جرى في واشنطن يحمل أبعادًا خطيرة تستوجب قراءة مسؤولة، إلا أنّ الردّ عليه لا يكون بخطابات التحدي والانفعال، ولا بالدعوات إلى النزول إلى الشارع أو فرض الوقائع بالقوة، لأن مثل هذه الممارسات لا تعالج الأزمات، بل تعمّق الانقسام وتفتح الأبواب أمام الفوضى، وربما أمام تدخلات خارجية لا يريدها أي لبناني حريص على وطنه.

إنّ أي خلاف سياسي، مهما بلغت حدّته، يبقى قابلًا للحل عبر حوار لبناني – لبناني جدّي، يستند إلى الدستور والميثاقية والشراكة الوطنية، ويؤدي إلى نتائج تحفظ مصالح جميع اللبنانيين من دون أن تمسّ الثوابت أو الخطوط الحمراء لأي مكوّن من مكوّنات الوطن. فالحوار وحده هو الطريق إلى بناء التفاهمات، أما لغة التصعيد فلا تنتج إلا مزيدًا من الاحتقان.

ومن هنا، فإنّ المطلوب في هذه المرحلة هو التحلّي بالصبر والحكمة، وعدم الانجرار خلف الأصوات التي ترتفع في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي تدعو إلى خطوات انفعالية قد تكون نتائجها كارثية على الجميع. فإطلاق الشعارات أسهل بكثير من تحمّل تبعات الفوضى، ومن يدفع نحو الفتنة قد لا يكون هو من يدفع ثمنها.

لقد أثبتت قيادة المقاومة والثنائي الشيعي في أكثر من محطة أنّها تدير الملفات المصيرية بعقلانية ومسؤولية، وتُحسن التمييز بين ما يخدم لبنان وما يحقق أهداف العدو. ولذلك فإنّ الثقة بالحكمة السياسية، والرهان على الحوار الداخلي، والتمسّك بالوحدة الوطنية، تبقى الخيار الأجدى لعبور هذه المرحلة الدقيقة.

إنّ قوة لبنان الحقيقية لا تكمن فقط في قدراته الدفاعية، بل أيضًا في وعي شعبه، وفي رفضه تحويل الخلاف السياسي إلى صراع داخلي. وإذا كان هناك من يسعى إلى إضعاف لبنان عبر الفتنة، فإنّ الردّ يكون بمزيد من التماسك، وبالحفاظ على عناصر القوة، وبإبقاء أبواب الحوار مفتوحة حتى الوصول إلى حلول وطنية عادلة تحفظ كرامة لبنان وتصون حقوق جميع أبنائه.

لقد أثبتت التجارب أنّ المقاومة لم تكن يومًا مشروع فتنة أو انقسام، بل مشروع دفاع عن لبنان وحماية لأرضه وسيادته. وحكمتها الحقيقية تتجلّى في إدراكها أنّ قوة السلاح تفقد قيمتها إذا خسر الوطن وحدته، وأنّ الحفاظ على السلم الأهلي هو جزء لا يتجزأ من معادلة حماية لبنان. لذلك، فإنّ المرحلة الراهنة تستدعي الالتفاف حول الحكمة والعقل، والثقة بالقيادة التي عرفت كيف تواجه أخطر التحديات من دون أن تسمح بانزلاق البلاد إلى المجهول. فلبنان اليوم يحتاج إلى الوعي أكثر من الانفعال، وإلى الحوار أكثر من الصدام، لأنّ قوة المقاومة تبقى في حماية الوطن، وقوة الوطن تبقى في وحدته.