كيف تحاول إسرائيل تشكيل إجابات الذكاء الاصطناعي بشأن غزة؟

آب 18, 2026 الناشر 7 قراءة 1 دقائق قراءة

تنتقل المعركة على الرواية المتعلقة بالحرب الإسرائيلية على غزة إلى مجال جديد، يتمثل في المصادر التي تعتمد عليها أدوات الذكاء الاصطناعي عند الإجابة عن أسئلة المستخدمين. وتكشف وثائق عقود وسجلات إفصاح وتحقيقات صحفية عن حملات ممولة ومرتبطة بحكومة الاحتلال الإسرائيلي، تستهدف إنتاج محتوى مصمم للظهور في نتائج البحث والاسترجاع التي تستخدمها أدوات مثل تشات جي بي تي وجيميني وبيربليكسيتي وكوبايلوت.

وتعتمد هذه الحملات على إنشاء مواقع تبدو في صورتها مؤسسات بحثية أو معلوماتية، وإنتاج مواد تتناول أسئلة محددة حول غزة والتجويع والإبادة وجرائم الحرب والجيش الإسرائيلي، ثم تحسين هذه المواد تقنيًا لزيادة فرص ظهورها واستشهاد أدوات الذكاء الاصطناعي بها.

حملة تستهدف البيئة المعلوماتية للذكاء الاصطناعي
في 14 أغسطس/آب 2026، نشر الصحفي جاكوب ويندلر في موقع بوليتيكو الأمريكي تحقيقًا تناول حملة علاقات عامة مرتبطة بحكومة الاحتلال، وركز على موقع يحمل اسم معهد هانوفر للسياسة العامة، ويقدم نفسه كمؤسسة بحثية تنشر دراسات تتعلق بمعاداة السامية وقضايا سياسية وتاريخية مرتبطة بإسرائيل.

ويضم الموقع مواد مصاغة على هيئة أسئلة مباشرة، إلى جانب ملخصات للنتائج وجداول محتويات وأسئلة شائعة ومراجع، وهي بنية تجعل المحتوى سهل الاستخراج من جانب أنظمة البحث والاسترجاع.

وبحسب التحقيق، ارتبطت أكثر من 12 مادة منشورة على الموقع بحملة بلغت قيمتها 100 ألف دولار لإنتاج وتوزيع محتوى يستهدف الجمهور الأمريكي. كما أحصى موقع ريسبونسبل ستيتكرافت، في متابعة نشرها في 17 أغسطس/آب، ما لا يقل عن 100 تقرير خلال موجة نشر بدأت بصورة مكثفة في 6 أغسطس/آب.

وتناولت هذه المواد أسئلة من قبيل ما إذا كانت إسرائيل تنفذ حملة تجويع متعمدة في غزة، وما إذا كان الجيش الإسرائيلي هو الأكثر أخلاقية في العالم، إضافة إلى موضوعات الإبادة الجماعية والفصل العنصري وجرائم الحرب وتعذيب الأسرى الفلسطينيين والمنظمات التي وثقت الانتهاكات الإسرائيلية والمساعدات الإنسانية وتاريخ عام 1948.

وتكشف إحدى المواد المنشورة حول التجويع في غزة عن طريقة بناء هذا النوع من المحتوى؛ إذ تستعرض خلاصات صادرة عن منظمات حقوقية، قبل أن تعيد ترتيب النقاش حول معيار النية القانونية، وتضع إلى جانبها أرقامًا إسرائيلية بشأن دخول المساعدات صادرة عن الجيش ووزارة الخارجية ومنسق أعمال الحكومة في المناطق.

وبذلك تظهر المادة في صورة بحثية تتضمن سؤالًا وأرقامًا وخلاصات ومراجع قابلة للاستخراج، بدل أن تبدو إعلانًا سياسيًا أو مادة دعائية مباشرة.

من يقف وراء الحملة؟
تكشف سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب الأمريكي عن صلات مالية وقانونية في مسار معهد هانوفر. ففي 2 يونيو/حزيران 2026، سجلت شركة بايرو نشاطها لدى وزارة العدل الأمريكية، وحددت هافاس ميديا ألمانيا جهة أجنبية تعمل نيابة عن وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية لابام.

ووصف دانيال روزنبرغ، المؤسس المشارك في بايرو، الخدمات التي تقدمها الشركة بأنها اتصالات استراتيجية وعلاقات إعلامية، بينما تشير الوثائق إلى أن الأنشطة السياسية قد تشمل اتصالات موجهة للتأثير في الجمهور الأمريكي.

وتظهر وثائق أخرى برنامجًا أوسع لشركة بايرو بقيمة 900 ألف دولار، وُصف بأنه مشروع تجريبي للاتصالات الرقمية ويشمل أبحاث الجمهور وهندسة المحتوى والكتابة والإنتاج والتوزيع وقياس الأداء. أما مبلغ 100 ألف دولار الذي ربطه تحقيق بوليتيكو بمواد معهد هانوفر، فيمثل نطاقًا أصغر ضمن هذا النشاط.

وسبق هذا المسار برنامج آخر نفذته شركة كلوك تاور إكس، التي أسسها براد بارسكيل، المدير الرقمي السابق لحملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وبدأ العقد الموثق مع الشركة في سبتمبر/أيلول 2025 بقيمة 6 ملايين دولار لمدة أربعة أشهر، مع اشتراط إنتاج ما لا يقل عن 100 مادة أساسية و5 آلاف نسخة مشتقة شهريًا، والسعي إلى 50 مليون ظهور شهريًا.

واللافت في العقد تضمينه هدفًا يتعلق بتشكيل النتائج المرتبطة بأدوات GPT، إلى جانب إنشاء مواقع ومحتوى مخصص لهذا الغرض. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025 ارتفعت قيمة البرنامج من 6 إلى 9 ملايين دولار، بينما أظهر ملف أمريكي لاحق سبع دفعات شهرية بقيمة 4.5 ملايين دولار لكل شهر بين أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول 2026.

وبحسب تحقيق نشره موقع دروب سايت نيوز في يوليو/تموز، بلغ مجموع مراحل البرنامج التي تتبعها التحقيق نحو 46.5 مليون دولار.

كيف تصل هذه المواد إلى إجابات الذكاء الاصطناعي؟
لا تعمل أدوات الذكاء الاصطناعي التي تعتمد البحث في الويب بالطريقة نفسها التي تعمل بها نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعتمد على المعرفة الداخلية فقط. فعندما يستخدم تشات جي بي تي البحث، يمكن للنظام إعادة صياغة سؤال المستخدم إلى استعلام أو مجموعة استعلامات، ثم البحث في الويب ومراجعة النتائج وإجراء عمليات بحث إضافية قبل صياغة الإجابة.

وتستخدم جيميني وكوبايلوت وبيربليكسيتي آليات تعتمد، بدرجات مختلفة، على البحث في الويب واسترجاع المعلومات من الصفحات المتاحة عبر الإنترنت.

وهذا يعني أن السؤال الذي يطرحه المستخدم يمكن أن يتحول إلى استعلام بحث، ثم إلى صفحات أو مقاطع يختارها النظام، قبل أن تدخل المعلومات المسترجعة في السياق الذي يستخدمه النموذج لصياغة الإجابة.

وبالتالي، تصبح الصفحة التي يمكن جعلها قابلة للفهرسة، والمرتبطة لغويًا بالسؤال، والمنظمة بطريقة تسهل استخراج المعلومات منها، مرشحة للدخول في هذه السلسلة.

وهنا يظهر مفهوم تهيئة محركات التوليد، أو GEO، الذي يمثل امتدادًا لتقنيات تحسين الظهور في محركات البحث، لكنه يستهدف هذه المرة زيادة فرص ظهور المحتوى في إجابات أدوات الذكاء الاصطناعي والاستشهاد به.

محتوى مصمم ليكون قابلًا للاقتباس
تعرض شركة بايرو خدمة تحت اسم تحسين القصص للذكاء الاصطناعي، تقول من خلالها إنها تحدد المنصات والمواقع والمنتديات التي تعتمد عليها النماذج للوصول إلى المعلومات، ثم تختار الاستعلامات المستهدفة وتنتج محتوى مهيأ لطريقة تقييم النماذج اللغوية للمصداقية.

وتتضمن العملية، بحسب الشركة، نشر المواد وقياس الاستشهادات بها وإعادة تعديل المحتوى وفق النتائج.

وتتطابق بنية عدد من مواد معهد هانوفر مع هذه المنهجية؛ إذ تبدأ بعناوين على شكل أسئلة يمكن أن يطرحها المستخدم، ثم تقدم ملخصًا للنتائج وعناوين فرعية قصيرة وأرقامًا وجداول وأسئلة شائعة وقائمة بالمصادر.

وتساعد هذه البنية على جعل المحتوى أكثر قابلية للاستخراج، خصوصًا عندما تتطابق صياغة السؤال مع العنوان أو العبارات المستخدمة داخل الصفحة.

ويرتبط تحقيق بوليتيكو أيضًا بشركة ريس أو ريزونانس إيه آي تكنولوجي، التي تسوق خدمات تهدف إلى الحصول على توصيات من الذكاء الاصطناعي، وتصف بعض محتواها بأنه مصمم للاستخراج.

وتقدم الشركة دراسة حالة تقول إنها نشرت نحو 70 مادة خلال ستة أسابيع لعميل في قطاع الأمن السيبراني، ثم ارتفعت، وفق قياساتها الداخلية، نسبة الأسئلة التي تستشهد بالعميل من 14% إلى 75%. وتظل هذه الأرقام جزءًا من العرض التسويقي للشركة، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن نموذج عمل يقوم على النشر والاختبار وقياس الاستشهاد ثم تعديل المحتوى.

هل وصلت المواد إلى إجابات المستخدمين؟
تشير الاختبارات المنشورة إلى أن هذه الحملات لم تقتصر على إنتاج المحتوى، بل وصلت بالفعل إلى مرحلة ظهوره ضمن مصادر تستخدمها بعض أدوات الذكاء الاصطناعي.

فقد وجد تحقيق بوليتيكو أن تشات جي بي تي وبيربليكسيتي استشهدا في عدة حالات بمواد منشورة على موقع معهد هانوفر عند طرح أسئلة محايدة تتعلق بغزة والجيش الإسرائيلي ومعاداة الصهيونية ومعاداة السامية.

ويعد ذلك من أوضح الأدلة المتاحة على وصول المشروع إلى طبقة الاسترجاع والاستشهاد التي تستهدفها خدمات تحسين الظهور في أدوات الذكاء الاصطناعي.

لكن هذه الاختبارات لا تقدم معدلًا إحصائيًا واسعًا يوضح نسبة ظهور مواد هانوفر في مئات أو آلاف الأسئلة، ولذلك فإن ما يمكن إثباته حاليًا هو وصول هذه المواد إلى قوائم المصادر في حالات محددة وموثقة، وليس تحديد حجم تأثيرها على إجابات النماذج بصورة عامة.

وفي حالة أخرى، أشار تحقيق دروب سايت نيوز إلى أن موقعًا تابعًا لشبكة كلوك تاور ظهر ضمن المصادر التي استخدمتها بيربليكسيتي في إجابة عن سؤال يتعلق بالتعاون العسكري الأمريكي مع إسرائيل، كما ظهرت مواقع أخرى من الشبكة ضمن المصادر التي استخدمتها جيميني وكوبايلوت وبيربليكسيتي في اختبارات مختلفة.

وتضم الشبكة مواقع تحمل أسماء عامة توحي بمؤسسات مستقلة، من بينها باكسبوينت وفاكت سيغنال وكوجنيتورا وجوستوريوم وكالتورافيا وكومباشن بالس.

لكن ظهور الصلة بين هذه المواقع والحكومة الإسرائيلية يختلف من أداة إلى أخرى ومن جلسة إلى أخرى؛ إذ أظهرت بعض الاختبارات هذه الصلة، بينما لم تبرزها أدوات أخرى في الإجابة التي عرضتها للمستخدم.

هل دخلت هذه المواد في تدريب النماذج؟
هنا تصبح الأدلة أقل حسمًا.

وجد دروب سايت نيوز 912 عملية أرشفة لمواقع شبكة كلوك تاور في مستودع كومون كراول بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2026، وهو مستودع مفتوح يجمع نسخًا من صفحات الإنترنت ويمكن استخدام بياناته في بناء مجموعات بيانات لاحقة.

لكن وجود صفحة في هذا الأرشيف لا يعني بالضرورة أن شركة محددة استخدمتها في تدريب نموذج محدد.

كما أن الاختبارات التي أجراها التحقيق على المعرفة الداخلية لبعض أدوات الذكاء الاصطناعي أظهرت أنماطًا أقوى لدى جيميني وكوبايلوت، مع إشارات في بعض اختبارات بيربليكسيتي، في حين لم يظهر النمط نفسه في الاختبارات التي أجريت على تشات جي بي تي وكلود.

وبالتالي، فإن هذه النتائج توفر قرائن على احتمال وصول بعض المعلومات إلى المعرفة الداخلية أو إلى مسارات غير ظاهرة للمستخدم، لكنها لا تحدد مصدر البيانات الذي استخدمه كل نموذج خلال التدريب.

انتقال المعركة إلى طبقة جديدة
تكشف الوقائع المتاحة عن تحول في أساليب التأثير الإعلامي المرتبطة بالحكومة الإسرائيلية. فبعد التركيز على الإعلانات ومحركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، تتجه جهود جديدة إلى البيئة المعلوماتية التي تعتمد عليها روبوتات الذكاء الاصطناعي عند الإجابة عن أسئلة المستخدمين.

وتشمل هذه الاستراتيجية إنتاج كميات كبيرة من المحتوى، وإنشاء مواقع تبدو بحثية أو معلوماتية، وصياغة مواد حول الأسئلة التي يطرحها المستخدمون، ثم تحسين قابليتها للظهور والاسترجاع وقياس مدى وصولها إلى الاستشهادات.

وقد أثبتت الاختبارات المنشورة أن جزءًا من هذه المواد وصل بالفعل إلى إجابات أدوات واسعة الاستخدام. لكن حجم تأثيرها الفعلي على مضمون الإجابات، ومدى وصولها إلى تدريب نماذج بعينها، لا يزالان بحاجة إلى اختبارات أوسع وبيانات أكثر مما هو متاح حتى 17 أغسطس/آب 2026.

بتصرف عن نون بوست