لماذا يهاجر “الإسرائيليون” إلى قبرص؟ بين دوافع الأمن والاقتصاد وإعادة التموضع الإستراتيجي

تموز 24, 2026 الناشر 7 قراءة 1 دقائق قراءة

لم تعد قبرص بالنسبة إلى آلاف “الإسرائيليين” مجرد وجهة سياحية أو سوقًا للاستثمار العقاري، بل أخذت تتحول تدريجيًا إلى موطن ثانٍ يجمع بين القرب الجغرافي والاستقرار النسبي والاندماج في الفضاء الأوروبي، في ظل تزايد الهجرة من الأراضي الفلسطينية المحتلة نتيجة اعتبارات أمنية واقتصادية وسياسية متشابكة.

وتشير الورقة الصادرة عن مركز رؤية للتنمية السياسية إلى أن عدد المقيمين “الإسرائيليين” في قبرص ارتفع من نحو 6500 شخص عام 2018 إلى قرابة 15 ألفًا بحلول منتصف عام 2025، بالتوازي مع تنفيذ نحو 4000 صفقة عقارية بين عامي 2021 و2025، تركزت في المدن الساحلية القريبة من الموانئ والمطارات.

جذور تاريخية تتجاوز الواقع الراهن
ترى الدراسة أن ارتباط المشروع الصهيوني بقبرص ليس وليد السنوات الأخيرة، بل يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين أُنشئت مستوطنات زراعية صهيونية في الجزيرة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى محطة لاحتجاز المهاجرين اليهود خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين. وتخلص إلى أن قبرص بقيت، في المخيال الصهيوني، مساحة احتياطية يمكن اللجوء إليها كلما اقتضت الظروف ذلك.

وتشير الورقة إلى أن المرحلة الحالية تختلف عن التجارب السابقة، إذ لم تعد الجزيرة مجرد محطة عبور، وإنما أصبحت هدفًا للاستقرار والإقامة الدائمة بالنسبة إلى شريحة متزايدة من “الإسرائيليين”.

دوافع الهجرة
تعزو الدراسة تنامي الهجرة إلى تفاعل مجموعة من العوامل الداخلية في “إسرائيل”، أبرزها:
ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن.
الانقسام السياسي والأزمة الداخلية.
تراجع الشعور بالأمن الشخصي.
استمرار الحرب وتحول الجبهة الداخلية إلى ساحة استهداف.
تراجع الثقة بإمكان إصلاح الأوضاع السياسية والأمنية.

وتلفت إلى أن استطلاعًا للرأي أظهر أن 62% من العاملين “الإسرائيليين” يفكرون جديًا في الانتقال إلى الخارج، فيما وضع 14% منهم قبرص واليونان في مقدمة الوجهات المفضلة.

لماذا قبرص تحديدًا؟
بحسب الدراسة، تتمتع قبرص بجملة من عوامل الجذب، أبرزها قربها الجغرافي من فلسطين المحتلة، وانخفاض تكاليف المعيشة والعقارات مقارنة بتل أبيب، إضافة إلى وجود جالية “إسرائيلية” متنامية، وسهولة التنقل، وبيئة أوروبية مستقرة نسبيًا.

كما تنقل شهادات لمهاجرين “إسرائيليين” قالوا إن قرار الانتقال ارتبط بالرغبة في توفير حياة أكثر استقرارًا لأسرهم وأطفالهم بعيدًا عن الصواريخ وصفارات الإنذار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الروابط الاقتصادية والمهنية مع “إسرائيل”.

استيطان اجتماعي وعقاري
لا تقتصر الظاهرة، وفق الدراسة، على شراء العقارات، بل تمتد إلى بناء بنى اجتماعية ودينية وتعليمية خاصة، تشمل مدارس يهودية ومعابد ومجمعات سكنية مغلقة، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا من الاستثمار الاقتصادي إلى بناء تجمعات ذات طابع “إسرائيلي” داخل الجزيرة.

كما تشير الورقة إلى تزايد المخاوف داخل قبرص من هذا التوسع، في ظل تحذيرات صدرت عن قوى سياسية قبرصية اعتبرت أن عمليات الاستحواذ على الأراضي والأصول الإستراتيجية قد تؤدي إلى تغيرات ديموغرافية واقتصادية بعيدة المدى، بينما وثق معهد ليمكين تركز عمليات الشراء قرب الموانئ والقواعد العسكرية والمواقع الحساسة.

خلاصة الدراسة
تخلص الورقة إلى أن ما تشهده قبرص يتجاوز كونه هجرة اقتصادية أو استجابة ظرفية للحرب، ليعكس تحولًا في نظرة جزء من المجتمع “الإسرائيلي” إلى فكرة “الملاذ الآمن”. وفي الوقت نفسه، ترى أن هذه الهجرة لا تعني التخلي عن المشروع الصهيوني، بل إعادة إنتاج أنماط حضوره الاجتماعي والعقاري والمؤسساتي خارج فلسطين المحتلة، عبر تشكيل تجمعات سكانية ومؤسسات دينية وتعليمية جديدة داخل الجزيرة